اراء و مقالات

الأردن في «الحرب الحساسة»!

واجب الدولة ومؤسساتها ورموزها وأدواتها البقاء على “تواصل” مع الرأي العام ومصارحته ورفده بالمعطيات والتقديرات

نتفق تماما وبدون مواربة مع القول الذي ينصح الشعب الأردني ومؤسساته بحساب الكلمة والحرف والموقف والموقع في هذه الأيام الصعبة، عندما يتعلق الأمر بفهم طبيعة حساسية الحرب القائمة وتأثيراتها بعيدة المدى.
أول نقطة على أول سطر هي تلك التي تقول: الحرب بدأها الإسرائيلي والأمريكي وهي عدوان لا لبس فيه على الجمهورية الإيرانية التي تساند الشعب الفلسطيني بعدما خذلته الأمة العربية.
الحرف التالي في الجملة الوطنية الأردنية هو ذلك الذي يرفض إطلاقا وبدون مبررات أي مساس بالأمن الوطني والقومي الأردني والعربي ومن كل جهات الصراع مع تحفظنا على الخلط التضليلي المقصود بين مفردتي “الصراع والعدوان”.
لاحقا نوافق على النصيحة التي تقترح على المسؤولين المحليين وعلى من يرقصون على دف الإعلام الرسمي ويكرسون أنفسهم للتحدث باسم الدولة بدون تكليف أو تفويض الانتباه والحذر الشديد، ليس فقط بسبب طبيعة الموقع الجيوسياسي لبلادنا وسط طبول الحرب التي تقرع وستقرع أكثر لاحقا.
ولكن بسبب وقوع بلادنا في الجغرافيا بجانب سرطان خبيث اسمه إسرائيل لا يردعه لا أخلاق ولا اتفاق عن استغلال كل الظروف لتنفيذ أجندته في تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن والأردنيين مما يقود إلى الخلاصة الواضحة: رغم الألم الناتج عن اعتداءات إيران غير المبررة وبعض الأخطاء صمودها في هذه الحرب مصلحة مباشرة للأمن القومي العربي والأردني كما كان صمود المقاومة الفلسطينية كذلك.
الحساسية الجيوسياسية في أسوأ سيناريوهاتها مرحليا وما كنا نفعله أو نقبله كأردنيين أيام الرخاء يتوجب أن يتوقف خصوصا إذا تعلق بحجب المعلومات والتشاطر في السرديات واستسهال فكرة “تجهيل الشعب” أو تكميم الأفواه. الوضع حساس حقا ليس في الحرب ولا في الإقليم.
ولكن الوضع حساس جدا حتى في عمق وجدان الأردنيين في هذه المرحلة المعقدة والصعبة ومن يريد دلالة على حساسية الموقف عليه متابعة رد فعل جماهير الأردنيين فهي لا تحفل لا بالحرب ولا بالصواريخ، لا بل تصفق لأي صاروخ يطلق ضد الكيان وتلتقط الصور مع الشظايا وتتجاهل التعليمات الرسمية.
في وقت الحرب الحساسة الانتباه يصبح واجبا وطنيا وليس مطلبا ترفيا.
كل الاحترام والتقدير والثقة بحسابات الدولة العميقة وتموقعها وتمركزها بعيدا عن التشكيك والشكوك.
لكن واجب الدولة ومؤسساتها ورموزها وأدواتها البقاء على “تواصل” مع الرأي العام ومصارحته ورفده بالمعطيات والتقديرات وتمكين الأردنيين عموما من الحفاظ على بلدهم ومؤسساتهم بدون تشكيك عبثي بولاءات الناس وأصحاب الرأي أو تصنيف واتهام معلب.
لن يجد المراقب الأجنبي أردنيا واحدا ينكر بأن تجنب خيارات الصدام والحروب “خبرة عبقرية” أو يرفض الشعار القائل “الأردن لن يصبح ساحة صراع” لكن المراقب ذاته سيجد عشرات من الذين يطالبون الخطاب الرسمي والموظفين بالالتزام بتلك القيم عبر تفكيك العلاقة العدمية مع العدو الإسرائيلي ودفن اتفاقية وادي عربة أو عبر ملاعبة الاصطفاف مع الولايات المتحدة وتجنب التمحور معها وحولها.

 واجب الدولة ومؤسساتها ورموزها وأدواتها البقاء على “تواصل” مع الرأي العام ومصارحته ورفده بالمعطيات والتقديرات

في ظل حرب مفتوحة وممتدة إقليمية الطابع، يقول الغربيون والشرقيون إنها بروفة صغيرة لحرب عالمية ثالثة لا يحق لرموز السلطة التنفيذية ومعها رموز السلطة التشريعية اختيار هذا الوقت الحساس لفرض بعض التشريعات المهمة بصيغة “تناكف” الشعب وتكايده.
خيارات التأجيل هنا متاحة ومن غير المنطقي السماح لأي طرف بالعبث في توقيت ترتفع فيه حساسية المواطنين جراء الحرب واحتمالاتها.
نتحدث هنا عن قوانين وتعديلات سيئة السمعة والصيت على أهميتها كان يمكن تأجيل نقاشها.
فوق ذلك الدعم الشعبي واسع ومطلق للمستوى الاحترافي على صعيد الدفاع الجوي والتصدي للأجسام الخطرة الطائرة وضروري التذكير بأن الإعلام سلاح ذو حدين خصوصا عندما ترتفع حساسية الشارع والأسلم دوما قد يكون ترك وظيفة التعبير الإعلامي في أوقات الحرب للمستويات السياسية بعيدا عن السيادية.
المواطن الأردني قد يكون الأذكى والأكثر قدرة على المستوى العربي في الوقوف عند التفاصيل والميل لمناقشة التصريح والمسؤول، والأولى أن تترك هذه المساحة للوزراء.
ليس سرا أن جوقة التطبيل ومن يحملون الدف الرسمي على المستوى الصحافي والإعلامي الوقت غير ملائم تماما لصعودهم مجددا إلى صدارة المشهد لـ”توبيخ الشعب” أو توزيع الاتهامات بدون عيار.
هؤلاء استخدموا في “مهام صغيرة” محلية الطابع سابقا ويمكن لأغراض الأمن الوطني الاستغناء ولو مؤقتا عن خدماتهم، فنحن لا نتحدث عن “تيارات” لابد من شيطنتها أو عن فصائل يمكن مسبقا اتهامها أو تخوينها أردنيا بل عن مشروع أمريكي ضخم يناطحه الإيرانيون الآن وتتناكف بسببه قوى عظمى وسيغير شكل المنطقة وكل شيء.
إسرائيل كانت وستبقى هي العدو الأول والمباشر والمطلق.
وإيران في القياسات الشعبوية دولة “عليها ملاحظات” وغير مريحة عموما وغير مفهومة، لا بل “معتدية مؤخرا” لكنها “ليست العدو”… تلك حقيقة معرفية واجتماعية الأفضل التعاطي معها بدلا من السماح لمراهقين بالاسترسال في حفلة “نميمة” والعبث بالمايكروفونات.
للعلم محاولة بناء صورة نمطية تعيد إنتاج “العدو الإيراني” بعد جريمة الإبادة الإسرائيلية تحديدا لعبة خطرة جدا وقد تؤدي إلى نتائج عكسية.

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading