اراء و مقالات

الأردن في مرمى النيران: كيف يمكن الإفلات من «كمين الصراع الثلاثي» والجغرافيا؟

عمان ـ «القدس العربي»: الأضواء التي حظي بها لعدة ساعات مساء الإثنين الماضي مقر السفارة الأمريكية الضخم في العاصمة عمان، ثم الإجراءات التي حظرت النشر والتصوير لاحقا، معطيات تجدد القناعة بأن الأردن سياسيا وعملياتيا وبدون رغبة مؤسساته في مرمى النيران الإقليمية ووسط بؤرة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
تم إخلاء مقر السفارة وصدرت بيانات في بغداد تتوعد بقصفه وأحاطت به دوريات وحراسات أمنية أردنية بكثافة وطلب من القاطنين بجوار المقر الانتباه والحذر. وصدرت شائعات بالجملة أربكت المجتمع المحلي المجاور ثم انتهى المشهد بقرار هيئة الإعلام «حظر النشر والتصوير».
تلك تتابعات «عملياتية» بامتياز تظهر حقيقة لا تحب الدوائر الرسمية الأردنية الإقرار بها وفكرتها «مواجهة واضحة» بين منطق «الحياد العملياتي قدر الإمكان» الذي يتحدث به في كل المناسبات وزير الخارجية أيمن الصفدي، وبين سيناريو «أطراف الصراع الثلاثي» التي تصر على «حشر الجغرافيا» الأردنية في زوايا ضيقة للغاية ومستوى الإحراج فيها لا يقل عن منسوبه لدى دول الخليج العربي.
كيف يمكن الإفلات من هذا الكمين ومغادرة الزاوية الحرجة بأمان أو حتى بأقل كلفة؟
هذا هو السؤال المطروح بإلحاح برأي السياسي والخبير الأردني الدكتور محمد حلايقة، المصر في سياق نقاشاته مع «القدس العربي» على السهر من أجل توفير ملاذ آمن لـ«مقاربة أردنية» وطنية تقاوم الزوايا الضيقة للجميع وتأخذ باعتبارها ما تقوله الثوابت المرجعية بعنوان «الأردن ليس طرفا ولا ينبغي أن يكون» والأولية لـ«أمن الوطن والمواطن».
تلك مهمة تبدو صعبة ومعقدة في ظل «سيولة عملياتية وإستراتيجية» تغرق فيها المنطقة برأي السياسي طاهر المصري وبصيغة تنذر بالكثير من المخاطر فيما هوامش المناورة بتقدير حلايقة ضرورية ومتاحة بحكم خبرة المملكة في التعايش مع الأزمات.
الأردنيون في هذه الأيام الصعبة يجتهدون بحرص شديد سياسيا وعملياتيا وأمنيا على تجنب الاقتراب من الاحتكاك العسكري مادام الصراع مفتوحا على الامتداد الإقليمي.
والتفكير الذي قرر مجلس الأمن القومي الأردني أنه «الأسلم» هو مواصلة التصدي دفاعيا للأجسام التي تتطاير هنا وهناك بالمدلول ذاته الذي أعلن فيه منتصف الأسبوع رئيس الأركان الجنرال يوسف حنيطي وهو يتناول الأفطار مع مجموعات الدفاع الجوي بإسم المؤسسة العسكرية أن الأردن لن يسمح بعبور أي مقذوفات والجيش سيحمي الوطن.
عبارة «حماية الوطن» تعني في مستوى الأمن القومي مواصلة مشوار «الحياد العملياتي» قدر الإمكان، مع مستجد نظامي عبرت عنه المؤسسة العسكرية ذاتها بعنوان «الصواريخ الإيرانية ليست عابرة وهدفها الأردن» وسيتم التعامل معها على هذا الأساس. والعبارة ذاتها في المفهوم البيروقراطي تعني تكليف الحكومة بالإنشغال بتفاصيل «أزمة عسكرية قد تطول إقليميا»، حيث ملفات أساسية هنا تطلبت «خلايا أزمة» بعنوان «الأمن الغذائي» وتحديات «سلاسل التزويد» وأزمات الشحن والطاقة والمياه المتوقعة.
في الأثناء عمان الدبلوماسية تجري مشاورات عاصفة ونشطة وعميقة مع كل الأطراف المحايدة في المجتمع الدولي ومع عواصم القرار العربي أيضا بهدف الاتفاق على صيغة تؤدي إلى خفض التصعيد بعد العدوان الأمريكي الإسرائيلي الأخير على الجمهورية الإيرانية.
ملك الأردن هنا يقوم بدور فاعل ونشط ويحث بعض زعماء أوروبا والدول الإسلامية مثل فرنسا وإيطاليا وأندونيسيا على التحرك بثقل في اتجاه مسار خفض التصعيد. ووزير الخارجية الصفدي لديه توجهات محددة انتهت بإقامة خلية أزمة عنوانها التنسيق المكثف للعمل مع الدول العربية المتضررة.
والهدف المرصود هو التركيز على موقف جماعي لا يقف عند حدود إدانة واستنكار ما يسميه الصفدي بـ«الاعتداءات غير المبررة» على سيادة دول عربية بينها الأردن بل يخطط لإقناع الإدارة الأمريكية بالتدخل والحد من جموح حكومة اليمين الإسرائيلي والبحث عن خيار دبلوماسي للأزمة مع إيران.
الدبلوماسية الأردنية هنا نشطة حتى برأي المحلل السياسي الأمريكي الفلسطيني الدكتور سنان شقديح الذي يبلغ «القدس العربي» بأن النشاط مطلوب لأن التداعيات الإقليمية للحرب الحالية غير مضمونة النتائج فيما التعقيدات في واشنطن بالجملة ونوايا الإدارة الحالية معلنة ومضطربة.
التموقع الأردني ضمن الأزمة التي تطل برأسها بقسوة على دول المنطقة واضح ومحدد، وكثافة إسقاط المقذوفات والصواريخ والمسيرات التي تحاول العبور من جهة الأجواء الأردنية عبر أنظمة الدفاع الجوي، رسالة واضحة للإيرانيين وليس لغيرهم بعنوان «بلادنا لن تصبح مسرحا للصراع».
المؤسسة الأردنية في المقابل وعلى مستوى الأمن القومي تقرأ المشهد بالحد الممكن من الرصانة التي تؤمن كما صرح الأكاديمي السياسي الدكتور غازي ربايعة بأن الحرب الجديدة ما بعدها أهم مما قبلها.
لا شكوك في عمق المؤسسة الأردنية وفي القناعة بأن الحرب الحالية افتعلتها الولايات المتحدة بضغط من إسرائيل ولإرضاء حسابات بنيامين نتنياهو وطاقمه كما يقدر الدكتور شقديح وغيره من المراقبين.
الملاحظة التي يمكن شم ملامحها في خلية الأزمة في الخارجية الأردنية تحديدا هي تلك التي تفترض بأن مهاجمة وقصف مقرات للسفارات الأمريكية في العواصم العربية خطوة إيرانية استفزازية ومحرجة جدا.
وما تقوله دوائر العمق الأردنية هو ما يلي: سهر طهران على تجنب حساب كلفة هجماتها على الدول العربية لا يخدم إلا اليمين الإسرائيلي، خلافا لأن القناعة متكدسة مؤسسيا بأن تفويت الفرصة السريعة لوقف السيناريو العسكري قد يعني الغرق في وحل ومستنقع صراع إقليمي مفتوح طويل الأمد يخسر فيه الجميع وبدون استثناء.
المرجح هنا أن الخبرة الأردنية لا تصغي لها واشنطن، لذلك الموقف صعب ومعقد للغاية.

 

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading