نقاشات الأردنيين وصلت لـ «سيناريو إدارة الطوارئ» والحكومة بمعادلة «كلام أقل»: الحرب.. تحديات أم فرص؟

عمان- «القدس العربي»: استبدلت الحكومة الأردنية خلال الأيام القليلة الماضية الخطاب السياسي والتعبوي الذي يمكن توجيهه للجمهور في حالات الحرب والتأزيم العسكري بانسحاب مرصود من التحدث التفصيلي للرأي العام عن أدبيات الحرب وتشخيصها، توازيه لهجة إجرائية وبيروقراطية تركز على اللوجستيات ومعالجة تحديات سلاسل التزويد، ومنح الاقتصاد المحلي في ظل الحرب فرصة الاستثمار في الأزمة عندما تتوفر.
لا تلقي لا الحكومة ولا رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، بيانات وطنية أو تشخيصية على مسامع الشعب.
في العمل السياسي الدبلوماسي، تُرك الميكروفون لوزير الخارجية أيمن الصفدي.
وفي العمل السيادي الأمني، تركت المساحة كاملة للمؤسسات المختصة سيادياً، أما استراتيجية علامة الاستجابة للحرب التي يشهدها الإقليم فتسير ضمن قواعد الاشتباك التي حددها مسبقاً مجلس الأمن القومي بحضور جميع الأطراف.
دون ذلك، الساحة تخلو من خطابات تعبوية، ولا يتقدم رئيس الوزراء بأي خطاب تشخيصي للحرب وأزمتها وتداعياتها؛ لا تحت قبة البرلمان ولا خارجها. والطاقم الوزاري وقف حصراً عند سلسلة اجتماعات طارئة تخص تداعيات الحرب والاحتواء، خصوصا في يوميات النقل والشحن والمناولة البحرية وسلاسل التزويد وتأمين المخزون دون الإغراق في أدبيات أو كلاسيكيات الحرب أو التعبئة الوطنية.
تموقع وزارة الرئيس حسان هنا مثير للانتباه. والرأي العام عموماً يفتقد لخطابات مباشرة من حكومته التي حظيت بثقة البرلمان تتحدث فيها معه عن ما يجري أو ما سيجري.
قد يكون ذلك مظهراً صحياً برأي النائب المشتبك مع التفاصيل الدكتور عبد الناصر الخصاونة. وقد لا يكون؛ لأن مجلس النواب عموماً -برأي الخصاونة-سبق أن افتقد الحكومة في العديد من اللحظات المهمة، لا بل بعض المزاج النيابي البرلماني يتهم الحكومة الحالية بالتغييب القصدي أحياناً وفي بعض الملفات.
ما ينصح به خبير اقتصادي وسياسي كبير مثل الدكتور جواد العناني، وعبر «القدس العربي»، هو الغرق اقتصادياً في البحث في السيناريوهات والنتائج والتداعيات والتخطيط الاقتصادي على أساس التفاصيل وتفعيل كل ميكانيزمات مطبخ القرار؛ لأن أي مشكلة تحدث في الإقليم الآن جراء الحرب أو بسببها يمكنها أن تتحول إلى تحديات أردنية.
تلك تحديات في تقدير العناني، تحتاج إلى مقاربة أعمق ليس في الأداء والظهور السياسي والإعلامي للحكومة، ولكن في التفاصيل التي قد تنتهي بأزمة هنا أو هناك مهما كانت صغيرة، حيث العالم برمته اليوم وليس المنطقة فقط، هي اليوم برسم تحولات جيوسياسية عميقة تنتجها الحرب الحالية، أو قد تنتجها، والتغافل والادعاء به ليس هو المطلوب، بل الغرق في الدراسة والتفحص وفي التفاصيل؛ لحماية قدرات المؤسسات الاقتصادية الأردنية على الاحتواء.
النصيحة ذاتها تقدم بها علناً ظهر الثلاثاء الخبير النفطي وفي ملف الطاقة، عامر الشوبكي، عندما طالب بجرعة تخطيط توفر الحماية للمؤسسات الوطنية الأهم في ظل الارتفاع الجنوني المتوقع في كلفة الطاقة وأسعار المحروقات.
تحدث الشوبكي لإحدى الإذاعات المحلية، الثلاثاء، عن تقديراته في مرحلة ما بعد جزئية المخزون الاستراتيجي، حيث أسعار المحروقات سترتفع، وكلف المعيشة ستختلف، وواجب الحكومة تجهيز الأردنيين بخطاب يلائم الظرف الموضوعي والتقدم بخطة تقشف شاملة عميقة.
التقشف، بنصيحة العناني، مطلوب الآن بإلحاح؛ ليس لأنه هدف مباشر بل وسيلة لترقيم الأولويات وطنياً، ولفهم طبيعة وجوهر التحديات القادمة.
لسبب لا يزال غامضاً، في الواقع لا تتحدث وزارة حسان لا عن تشخيص الأزمة وتداعياتها ولا عن ما يدور في ذهن العقل الحكومي الأردني تحت عنوان التصرف والتقييم والجاهزية والاستعدادات.
وفي الواقع، لا تتحدث حكومة حسان للجمهور والشارع عن الحرب التي تطرق نافذة كل مواطن أردني، لا في خطاب تعبوي ولا في سياق تشخيصي ولا ضمن نمطية معلوماتية.
غياب الحكومة عن مسرح العمليات هنا ملحوظة يرصدها الجميع، لأن محاولات بعض النواب طرق أبواب الجاهزية والطوارئ في نقاشات عامة مع الحكومة قمعت أو منعت أيضاً بطريقة ما دون فهم الأسباب والخلفيات.
ما يفهمه الملاحظون والراصدون أن الحكومة قررت تقليل حيز الكلام مع الناس وتجنب الخطابة وأدبيات التعبئة الوطنية، وتركت مسرح العمليات اليومي للخطاب الأمني الذي يثق به الأردنيون بالعادة، فيما حرصت الحكومة بوضوح على عقد اجتماعات فنية وتكنوقراطية في الظل، تتعاطى مع الأزمة واحتمالاتها وانعكاساتها في صمت ملحوظ، قد ينطوي على حكمة، وقد لا يفعل؛ لأن واحدة من أهم تجليات صمود الجبهة الداخلية في ظل خرب نتائجها مبهمة تتطلب خطاب تعبئة وطنياً لحكومة قادرة على التفاعل مع الجمهور.
سيناريوهات خيارات الحكومة هنا غامضة إذا ما استجد جديد أو تصاعد التأزيم العسكري، بما في ذلك كيفية إدارة حالة الطوارئ، إن حصلت، في ظل تصعيد إقليمي يخسر فيه الجميع.
سيناريو الاستبدال واضح، وما تدرسه الحكومة خلف الستائر يركز على أمن الطاقة والمياه والغذاء والدواء، وعلى كيفية استقبال رجال أعمال في المنطقة يبحثون عن ملاذ وتقديم تسهيلات لهم، وعلى ما يمكن التفاعل به مع دول الجوار الأساسية مثل سوريا والعراق ومصر تحديداً تحت عنوان المناولة وحركة التجارة والشحن والنقل ولوجستيات سلاسل التزويد.
