اراء و مقالات

الأردن: توزيع «صكوك الوطنية»

 توزيع اتهامات معلبة آخر ما تحتاجه المؤسسة الأردنية التي تبدع في إدارة الأزمة حقا في ظرف معقد وحساس

لا نصدق بأن النخبة التي تدير الشأن العام في الأردن لا تزال في موقع توقع نتائج أفضل من ردود فعل الشارع باستخدام نفس الأدوات الكلاسيكية القديمة ونفس البرمجة في مدرسة التحريض والتأليب والتأزيم.
لا نصدق إطلاقا أن تلك التوقعات لا تزال تثير الاستغراب فيما وقائع الحال تشير إلى ثغرة كبيرة في السردية الرسمية للأحداث.
مجددا ثمة أزمة أدوات لا يحتمل المناخ العام حاليا ومرحليا إلا التصرف الجريء بشأنها وليس فقط الإقرار بوجودها.
أزمة الأدوات والبرمجة والترقيم قد تحتمل في أيام الاسترخاء والرفاه. لكن في أوقات حرب إقليمية شرسة مفتوحة على كل الاحتمالات بقاء أزمة الأدوات والصمت عليها والتواطؤ معها يعبر عن إشكالية أعقد بكثير مما يعتقد المعنيون.
كلف وفواتير أزمة الأدوات في حالات الحرب والتصعيد العسكري كبيرة للغاية. ولا تحتمل في بلد يعاني من ظروف اقتصادية يعرفها الجميع والاستمرار في عدم الاعتراف بأزمة الأدوات مؤشر على حالة عقم لا بد من مناقشتها بجرأة ووطنية ومسؤولية.
نقول ذلك ونحن نراقب كيف تتحول في وقت الحرب بعض الأقلام المحسوبة على التعبير الرسمي إلى عبء حقيقي ثقيل تواجهه الرواية والسردية.
وكيف تصمت الحكومة ومعها أحيانا السلطات على عملية تنتج الاحتقان في المجتمع وتسحب من رصيد الدولة والناس ولا تساهم في توحيد القوى الاجتماعية النشطة خلافا لأن الإصرار على استخدام الطرق القديمة وأدواتها في التحريض والاتهام وإنتاج التباين والتناقض أصبح مكلفا للغاية ولا يخدم الدولة في كل تأكيد، وهي مرحليا في أمس الحاجة للمؤمنين والمهنيين وأصحاب الرصيد الذي يتميز بالمصداقية في الخطاب والتشخيص والتوجيه الوطني.
اتهام الناس وأصحاب الرأي وتصنيفهم وأحيانا تخوينهم والادعاء بأنهم يغردون خارج النص والسرب الوطني خيار هو الأسهل دوما بحثا عن امتياز أو وظيفة أو عن مقعد بائس في طاولة حوار الطرشان، وتعبيرا عن انتهازية أكثر بؤسا تبحث عن الأضواء عبر التفنن في صناعة التجاذب وتوزيع صكوك الوطنية والاتهام. ذلك خيار سهل دوما.
لكن الأصعب والأذكى هو وضع خطة وطنية شاملة لتوحيد قوى المجتمع في مرحلة حرب وتصعيد عسكري على المستوى الإقليمي والدولي.

 توزيع اتهامات معلبة آخر ما تحتاجه المؤسسة الأردنية التي تبدع في إدارة الأزمة حقا في ظرف معقد وحساس

وأخطر ما في تلك الحرب هو تأثير ما بعدها على الدول والشعوب عندما تصمت المدافع ويسكت الرصاص وتبدأ حالة السيولة الاستراتيجية الناتجة عن موازين قوة جديدة ومختلفة.
الخيار الأفضل لمصالح الدولة هنا هو إظهار الحرص الشديد والمنهجي على توحيد الأردنيين معا خلف دولتهم وخياراتهم بدلا من تفريقهم وتصنيفهم وتوزيع المزاعم والادعاءات هنا أو هناك من جهة فئة محدودة كانت تستخدم ويتم توظيفها في ظروف أبسط وأقل تعقيدا ولتحقيق غايات صغيرة في بعض الأحيان.
إقامة مجد شخصي على حساب الوطن ومصالح الدولة عبر تفتيت المجتمع واتهام أصحاب الرأي وتوزيع صكوك الوطنية مرض عضال في جسد الحالة الوطنية وقلبها يتطلب جرأة في التشخيص لمعالجته وفورا ليس فقط لأن مصالح الدولة والشعب تتطلب ذلك ولكن أيضا لأن الحالة العامة تحتاج لانضباطية أكبر يشعر بها الناس اليوم في المستوى السيادي العميق لكنهم يفتقدونها عندما يتعلق الأمر بذلك الإعلام الرديء أو بانحيازات المستوى البيروقراطي في مسار صناعة أزمات صغيرة بدلا من التفرد للمهمة الوطنية الأكثر نبلا وهي حماية مصالح الدولة والوطن.
قبل الحرب وخلالها وبعدها لا يطرح الأردنيون أسئلة على دولتهم ويؤمنون بقيادتهم ومرجعياتهم ويتحلقون حول مؤسساتهم. لكن عناصر التوحد هنا تخدشها تلك الاجتهادات التي تولد بين الحين والآخر عبر تعليق مختل لوزير سابق أو مداخلة تلفزيونية فتنوية لوزير لاحق.
قلناها ونعيدها: في فترات الحرب والسيولة الاستراتيجية الخبرة العميقة تفترض نبذ الخيارات الأسهل وتعزيز الخطوات الأذكى والأنبل ومعالجة حالة عقم الأدوات.
مرحليا لا يوجد أنبل وأكثر وطنية من توحيد المجتمع بخطاب متزن ومدروس وعبر أدوات لها ثقل بين الناس وعندها رصيد من المصداقية وعبر تقنيات توقف فورا ذلك الاستثمار الوظيفي البيروقراطي البغيض في مجموعة التصعيد والتأزيم التي تحترف تخوين الناس وشيطنتهم وترى مصالحها في جذب الأضواء مرتبطة بقدرتها على شيطنة وتخوين كل من يخالفها الرأي. الوضع بائس ومعقد هنا.
من يصمت رسميا وبيروقراطيا على دعوات متطرفة مثل سحب جنسية من له رأي مخالف لرأي الدولة يمكن أن يصمت أكثر على ما هو أسوأ وأقبح.
توزيع اتهامات معلبة آخر ما تحتاجه المؤسسة الأردنية التي تبدع في إدارة الأزمة حقا في ظرف معقد وحساس.
الحاجة ملحة للإسلاميين بدلا من شيطنتهم مجددا. والدولة مطالبة بالإصغاء لأصحاب الرأي والخبرة ولمن يمتلك جرأة الملاحظة والتشخيص والتقييم المستقل. لا مبرر للبقاء في منطقة عقم الأدوات.
الأذكياء الوطنيون المستقلون صامتون ويشكلون الأغلبية الصالحة لإسناد الدولة وخطابها ومصالحها لأن من يتولون المايكروفونات هم الأقل خبرة والأندر قدرة.

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading