الأردن: «دينار الصيانة» يوفر 4 ونقاش التعويض بدأ والفيضانات «لاعب سياسي- بيروقراطي»

عمان- «القدس العربي»: لا يمكن توقع المساحة التي ستقطعها مراجعات الإدارة المحلية في الأردن بعد استلهام الدروس وتفكيك شيفرة الرسائل ذات العمق الإداري تحديداً إثر موجة المنخفضات الجوية التي تأثرت بها البلاد الأسبوع الماضي.
ولا توجد حتى اللحظة على الأقل بعيداً عن التجاذبات النقاشية المرصودة خصوصاً على مستوى البرلمان ومنصات التواصل الاجتماعي، تفاصيل محددة تبلغ عبرها الحكومة الرأي العام بلغة صريحة عن نواياها بخصوص ملف الحكم المحلي والمجالس البلدية بعدما فتح الباب على مصراعيه على نقاش «الانتخاب أو التعيين» إثر إقرار ضمني بإخفاق الجاهزية في بعض المناطق أمام مطالبات التعويض عن خسائر السيول والأمطار.
الحكومة في طبيعة الحال ليست بصدد فتح سيناريوهات التعويض المالي للمتضررين. ووزير المالية فيها يناضل في نقاشات خلف الستائر على هذا الأساس، في الوقت الذي كانت فيه الحكومة قد سددت ديون المجالس البلدية أو العديد منها بعد حل المجالس المنتخبة.
فتح باب التعويضات سيكون بمثابة النبأ الأسوأ بالنسبة للفريق المالي، خصوصاً أن المناخ قد يفتح أمام المزيد من المطالبات ذات الصلة بنتائج سيول الأمطار وكثافتها وتقلبات الطقس.
المنخفضات الجوية التي خلطت بعض الأوراق في إدارة الحكومة وحصراً في ملف الحكم المحلي الأسبوع الماضي، يبدو أنها مؤهلة لطرق الأبواب مجدداً؛ فموسم الشتاء في بداياته عملياً، واحتمالات حصول فيضانات جراء سيول الأمطار لا تزال قائمة.
والتجارب تثبت بأن اللجان التنفيذية المكلفة ورغم كل الملاحظات النقدية التي تطالها تحاول الاستثمار في مسار الأحداث والتدرب والتعلم، وهو ما خدم السلطات المحلية في المحافظات ولجان البلديات المؤقتة في إظهار جاهزية أفضل مع المنخفض الجوي الثاني.
اعتبرت رسائل أرسلت لرئيس الحكومة الدكتور جعفر حسان، أن بلدة العراق -إحدى البلدات المنخفضة في محافظة الكرك جنوبي البلاد- حولتها سيول الأمطار الى بلدة منكوبة.
بعض نواب الجنوب بدأوا يعدون أوراقهم للانقضاض على الحكومة مطالبين بتعويضات سواء للمزارعين الذي فقدوا أغنامهم ومزارعهم جراء فيضان السيول، أو للمواطنين الذين خسرت ممتلكاتهم العقارية الكثير، وكذلك للتجار الذين غرقت بضاعتهم ومستودعاتهم.
رسائل المطالبة بالتعويض تختلط بدعوات سياسية مباشرة تطالب الرئيس حسان بإقالة وزراء الخدمات والتوقف عن «التبرير» عبر التذرع بتقلبات طبيعية وهطول مطري فوق التوقعات.
وزير الحكم المحلي المخضرم وليد المصري، ظهر عدة مرات في الميدان، ووجه أول إشارة يفهم منها الإقرار بحصول تقصير عندما طالب اللجان المكلفة بالتواجد في الميدان وفورا.
الفيضانات ملأت بعض السدود، لا بل أغلقت بعض الأودية ورفعت من منسوب المياه في البحر الميت عدة أمتار، ووفرت مخزوناً مائياً جوفياً استثنائياً مريحاً، لكنها جرفت في طريقها العديد من الجسور والجدران الاستنادية والمشاريع والطرق بعدما أصبح طوفان المياه والأمطار لاعباً أساسياً في معادلة سياسية اليوم تبحث في قضايا الإدارة المحلية.
العشرات من المجالس البلدية واجهت المنخفضات الجوية الأخيرة بلجان مؤقتة وصفت بأنها أكثر خبرة، وحظيت بدلال بيروقراطي ومالي رغم أنها معينة وبعد أن قررت الحكومة منذ عدة أشهر حل جميع المجالس البلدية المنتخبة.
وهو ما دفع باتجاه سؤال سياسي وبرلماني يحاول المقاربة أو المقايسة، وغالباً المقارنة بين التعيين والانتخاب في الكفاءة.
كشفت الفيضانات عن مظاهر تقصير في الإدارة المحلية المؤقتة لكنها جرفت معها أسئلة في الإدارة السياسية أيضاً سيطرق أبوابها مجلس النواب على الأرجح قريباً، فيما لا تبدو سياسة الحكومة في ملف البلديات والحكم المحلي -على الأقل للرأي العام ووسائل الإعلام- مفهومة أو واضحة وشفافة، في وقت أعادت فيه سيول الأمطار الكثيفة خلط بعض أوراق الإدارة، لا بل التسبب بطرح أسئلة سياسية وبالعمق.
فيضانات الأمطار في النتيجة أصبحت لاعباً إدارياً وسياسياً، وأصبح مفهوم إدارة الفيضانات متطلباً إجبارياً بعد الآن بالنسبة لتشكيل الحكومات والحقائب الوزارية، فيما المستجدات طالت سيناريو الإعلاء من شأن وجود خبراء في الطاقم الحكومي الأول، يجيدون التعامل مع عواصف الأمطار وسيولها بعدما كان الأمر في الماضي نادراً، لكنه الآن يتكرر من عدة سنوات.
مفاهيم إضافية استجدت بعدما كشفتها موجتان من الأمطار الغزيرة على الأقل.
بات واضحاً للعيان أن مرافق سياحية وضخمة ستلزم وزارة السياحة بعد الآن بتخصيص فرق فنية وميزانيات لحماية مناطق ومواقع سياحية أو أثرية من أضرار السيول والفيضانات، والحاجة ملحة في وزارات الاختصاص لتقديم صفوف خبراء قادريًن على الحد من هشاشة جاهزية البنية التحتية خصوصا في مواسم الشتاء.
نقيب المهندسين عبد الله غوشة، التقط ما هو مبكر في الاشتباك عندما صرح بأن كل دينار ينفق على الصيانة بالطرق السليمة قبل موسم الشتاء يوفر على الدولة والمجتمع أربعة دنانير على الأقل من الكلف والفواتير.
معادلة نقابة المهندسين هنا من الأوراق المستجدة المهمة أيضاً التي تطرق أبواب سياسة إدارة الحكم المحلي والبنية التحتية لدى الحكومة في مواسم الشتاء والأمطار.
التغييرات في حالة الطقس والأمطار الأردنية ليست مناخية فقط، لا بل واضح أنها مصحوبة اليوم بسلسلة لا تتوقف من التساؤلات السياسية وبيروقراطية الطابع، لأنها تعيد إنتاج مفاهيم الإدارة المحلية برمتها، وتعيد إنتاج بعض محطات المخصصات في الإنفاق المالي على البنية التحتية.
