الأردن: «مطر» إيران و«مزراب» إسرائيل
تل أبيب بالتأكيد تخطط لصراع دائم بين العرب والإيرانيين ثم تقف لتتسلى به وتتفرج عليه وتطبق خططها في الهيمنة والإخضاع

الأردنيون الذين يتناقشون مرحليا فيما بينهم في كل صغيرة وكبيرة تحت عنوان الحرب على إيران ونتائجها وتأثيراتها عليهم تجنب إغفال الحقائق والوقائع التي تقول بأن العدو الإسرائيلي في الحلقة الأخيرة هو الذي يتربص بالشعبين الأردني والفلسطيني وبشعوب المنطقة عموما.
وهو العدو الذي يسعى لفرض بصماته الطامعة فيما يتعلق بالنفوذ والهيمنة، ويقدم حاليا الأدلة الشرعية والأخلاقية التي تفيد بأن مخاطر هذا العدو لا تنافسها بالرغم من كل ما قيل أو يمكن أن يقال عن الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية أي مخاطر من جهات أخرى لا في طهران ولا بين وكلائها في المنطقة كما يصفهم البيان الرسمي لوزارة الخارجية.
لاحظوا جيدا وبانتباه ما الذي يفعله اليمين الإسرائيلي حاليا في الأرض الفلسطينية المحتلة أثناء الاشتباك والأداء الدموي الإجرامي المعتاد ضد المدنيين في غزة ولبنان على الأقل.
لاحظوا جيدا قبل الغرق في جدل بيزنطي لا صلة له بالواقع أن الإسرائيلي تمكن من الاستثمار في العجز العربي والإسلامي المستقر وإنجاز أجندة تقول بإغلاق المسجد الأقصى وحرمان المسلمين من الصلاة فيه طوال شهر رمضان المبارك بذريعة الحرب على إيران والوضع الأمني.
لا سبب حقيقيا لا في البعد الأمني ولا غيره يبرر إغلاق المسجد الأقصى إلا إبلاغ الأمتين الإسلامية والعربية معا بأن أقدس المقدسات يتحكم فيها بلطجي إسرائيلي مريض ومختل اسمه إيتمار بن غفير.
اليمين الإسرائيلي المتطرف يخوض ضد الأمتين حربا دينية بوضوح وبدون لبس ومع الكثير من القرائن والأدلة خطط جيدا لتقويض الوصاية الأردنية والإبقاء على حصار غزة و”قضم” ثلث أراضي جنوب لبنان والتحكم في مصادر ومنابع المياه في لبنان وسوريا وقريبا في العراق.
واضح تماما أن مستوى العداء في الإجراء الإسرائيلي خصوصا في القدس ولبنان والمسجد الأقصى من الصنف الذي لا تنفع معه بيانات ولا أي محاولات تذكير بالقانون الدولي أو حتى بالاتفاقيات الموقعة سابقا.
إغلاق المسجد الأقصى يعني في كل بساطة ليس فقط تقويض الوصاية الأردنية بل العودة إلى حسم الصراع كما يسميه اليمينيون في تل أبيب بدلا من إدارته.
لا يوجد أفضل من المسجد الأقصى كعلامة فارقة في تراث الأمة وتاريخها لإظهار هذا الحسم والكشف عن النوايا.
بعيدا عن التنظير، العدو في الحالة الأردنية واضح ومحدد. مع الاحترام والتقدير لوجهات النظر التي بدأت تفكر أكثر فيما يسمى مخاطر العدوان والمشروع الإيراني لابد من تحذير القوم من الخلل في الاختيار والانتقاء وقراءة الوقائع.
لابد من تذكير الأردنيين بأن عسكرة الضفة الغربية وتقطيع أوصالها وتقويض أجهزة السلطة الفلسطينية والدفع بجيش الاحتلال وحرس حدوده إلى أزقة المخيمات والبلدات والقرى هو مقدمة حقيقية لتهجير أهل الضفة الغربية وإعلان تقويض اتفاقية أوسلو.
تل أبيب بالتأكيد تخطط لصراع دائم بين العرب والإيرانيين ثم تقف لتتسلى به وتتفرج عليه وتطبق خططها في الهيمنة والإخضاع
ولا سبيل لنا إلا لفهم أن الإسرائيلي عسكر للتو منطقة الأغوار ويخطط لضمها وأنه بذلك التنميط وبعد إقامة منشآت استيطانية تستوعب أكثر من 100 ألف مستوطن يهودي على أكتاف حدود الوطن الأردني يزرع أول فتنة المقيتة تمهيدا للتهجير.
التهجير يعني الوطن البديل والأصيل معا ثم تقويض اتفاقية وادي عربة بعد تقويض اتفاقيتي أوسلو أولا والستاتس كو المعنية بالأوقاف الإسلامية في القدس ثانيا- أي الوصاية بتفعيلاتها.
ذلك عدو واضح ومحدد ومختبر ونعرفه جميعا وعايشناه وهو يسحق عظام أطفالنا.
إيران في مشروعها الطامح لا شكوك في أنها تثير الارتياب.
ولا شكوك في أنها تمارس الاعتداء على الدول العربية ومصالحها ولكنها عدو مفترض حتى اللحظة وخطابها الديني قد نتفق أنه وهمي وجذره طموح سياسي ومرتبط بهيمنة وخضوع، لكنها تمارس العدوان ولا يصنفها الشعب العربي بخانة “العدو الأول” بعد.
الأردن تحديدا عليه أن يجيد الهرب والإفلات من المطر دون الوقوع في فخ وكمين المزراب.
تلك نصيحة صالحة للتعاطي مع معادلة الواقع الموضوعي اليوم وأغلب التقدير أن اليمين الإسرائيلي ولا يمانعه أو يردعه هنا اليمين الأمريكي المشابه له يخططان جيدا إذا ما انتهت هذه المغامرة العسكرية المرهقة لصناعة صدام عسكري ومنظومة أمنية تشاغل وتنشط الصراع العربي الإيراني.
نتحدث عن صراع مباشر بأدوات مفهومة طبعا بين الأردن والجمهورية الإيرانية.
نحذر في كل اللهجات واللغات من الوقوع في المزراب الإسرائيلي.
من يقترحون على الأردنيين فهم حقيقة الوهم الإيراني عليهم في المقابل فهم وجهة نظر الرأي العام الأردني والتي لا ترى حتى هذه اللحظة في إيران عدوا للشعوب العربية وإن كانت لا تثق لا فيها ولا في خطابها الطائفي في الماضي وسجلها وتراثها.
التحذير واجب هنا من أن المعطيات تقول بأن مواجهة المطر والصواريخ الإيرانية ينبغي أن لا يدفع الأمة ومعها الأردن للوقوع تحت المزراب الإسرائيلي.
تل أبيب بالتأكيد تخطط لصراع دائم بين العرب والإيرانيين ثم تقف لتتسلى به وتتفرج عليه وتطبق خططها في الهيمنة والإخضاع بالقطعة والتقسيط فيما نحن نتلاوم ونصدق الأمريكي ونجلس في المربع الصفري.
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
