الأردن و«اقتصاديات الأزمة»: قانون الضمان المرفوض شعبياً يحافظ على موقعه رغم «احتياجات الحرب»

عمان- «القدس العربي»: وقف عضو البرلمان الأردني عن القائمة الإسلامية ناصر النواصرة، أمام الكاميرات ليعلنها بوضوح قائلاً «الحكومة وبكل صراحة، تستغل ظروف انشغال الشعب بالحرب على إيران وتفرض قانون الضمان الاجتماعي الجديد».
مال النواصرة إلى الصمت وتجنب الصخب خلال دورتين، مع أنه النائب الأكثر تحصيلاً لأصوات الناخبين، معتبراً ضمناً أن ما فعلته الحكومة بخصوص «قانون الضمان الاجتماعي» وصفة للتأزيم يمكن الاستغناء عنها وغير مبررة.
والنواصرة هنا يسجل هدفاً في مرمى حكومة الرئيس الدكتور جعفر حسان، في زمن الحرب والصواريخ الإيرانية التي تخلط كل الأوراق إقليمياً.
المقاربة التي يقترحها أحد أبرز رموز الحراك التعليمي الشهير قبل عدة سنوات، هي تلك التي تلمح إلى أن الحكومة خططت فيما يبدو لاستغلال الظرف العام وحاجة الأردنيين الماسة لدولتهم عندما أصرت على التقدم بتعديلات على قانون الضمان الاجتماعي الذي يختص برواتب التقاعد وملف التأمينات الاجتماعية برمتها في هذا التوقيت الحساس.
قال النواصرة أمام الصحافيين على باب مجلس النواب: «حكومة سابقة فعلتها أيام الفيروس كورونا في ملف نقابة المعلمين».
تلك المقايسة بين حكومتين ورئيسين، لها دلالاتها في الموقف السياسي.
لكن البعد المرتبط بتعديلات قانون الضمان الاجتماعي لا يزال يثير الإشكالات والتجاذبات الحادة على الصعيد الشعبي والبرلماني.
اللجنة النيابية المشرفة على القانون الجديد تحاول بنشاط «احتواء التجاذبات»، ورئيسها أندريه حواري أبلغ «القدس العربي» بأن لدى اللجنة قراراً، مهما طال الوقت، بعدم الاستعجال، والإصغاء لجميع الأطراف السياسية والتشريعية والمهنية في هذا الملف.
لذلك، وفي القراءة الاقتصادية لموقع الأردن في ظل طبول الحرب التي تقرع، يبقى ملف التأمينات الاجتماعية -في حال إصرار الحكومة عليه- جزءاً من مناكفة عبر البرلمان تحرج مجلس النواب في غير وقتها.
وهو في الواقع ما يستغربه أيضاً الخبير الاقتصادي البارز الدكتور جواد العناني، وهو يلاحظ في نقاش مع «القدس العربي» بأن الحكومة تبدو منشغلة أكثر مما ينبغي بتعديلات قانون الضمان الاجتماعي، فيما المتغير الإقليمي حاد وخطير وحساس، ويحتاج لكثير من الجهد والتركيز والبحث.
ما يقترحه العناني هو أن الأوضاع صعبة جداً جراء الحرب وتداعياتها، والتحديات الحالية أو المستقبلية متزاحمة ولا بد من مطبخ تدبير اقتصادي على مستوى تلك التحديات، يقرأ كل الاحتمالات والسيناريوهات.
طبعاً، ملف التأمينات الاجتماعية ليس الوحيد المقلق على صعيد الخارطة الاقتصادية الأردنية، وفقاً لكثير من الخبراء، في ظل الحرب الحالية التي يمكنها التهام الأخضر واليابس في كل الحسابات وفي كل المواقع، خصوصاً إذا حصل المحظور الأردني وامتدت أسابيع وأشهراً إضافية، ولم تحسم نتائجها، أو إذا انتهت بتأثيرات حادة على واقع ملف أمن الطاقة في المنطقة والإقليم، وهو ما يتوقع العناني وآخرون أن يشكل تحدياً أساسياً أمام الحكومة الأردنية.
العناني أحد المخططين الاقتصاديين الكبار الذين اقترحوا على الأطقم المسؤولة الآن البدء بتحضير دروسها جيداً، تعاملاً مع التحديات التي تفرضها إيقاعات الحرب على الاقتصاد الوطني ليس من باب التنبؤ ولا التوقع، لكن من باب القراءة والتشخيص وإظهار قدرة على التعامل مع التداعيات والنتائج والاستعداد لكل السيناريوهات وتفعيل بروتوكولات الاحتواء.
لذلك، يصر حتى بعض النواب وبينهم النواصرة، على فهم لغز اهتمام الحكومة الحماسي بقانون الضمان الذي يحظى بمعارضة شعبية واسعة وعميقة وترفضه العديد من الأجسام الحيوية في المجتمع ولو على حساب التحضير لاقتصاديات الحرب ونتائجها على المواطنين.
الحكومة طبعاً لا تنظر للملف من تلك الزاوية، وتقديرها أن الحفاظ على مؤسسة الضمان الاجتماعي- إحدى أهم المؤسسات الوطنية، مسألة ينبغي ألّا تعوقها ذهنية الحرب والصراع الإقليمي، على أساس أن ما ينبغي أن تفعله الحكومة تقوم به، كما فهم نواب شاركوا رئيس الوزراء جعفر حسان بوجبات إفطار مؤخرا.
في المقابل، وعلى الجبهة البرلمانية، يزاحم مجلس النواب لا بل أعضاء نشطون فيه يمثلون القائمة الإسلامية على أمل اقتحام مسارات الإنتاجية الخاصة باحتياطات الحرب الاقتصادية ومحاولة فهم جاهزية الحكومة هنا.
اللجنة المعنية بالاقتصاد استدعت وزير التجارة والصناعة للاطمئنان على «المخزون الغذائي» وسلاسل التزويد، ولجنة الطاقة عقدت عدة اجتماعات للاطمئنان على إجراءات الطوارئ الحكومية في ملف الطاقة والوقود والغاز.
وفي الأثناء، طورت عضو المجلس الدكتورة ديمة طهبوب، أسئلة دستورية وجهت لقطاع الأوقاف الحكومي عن «مخزون الأمن الأخلاقي والديني في المجتمع» في ظل الحرب وتحدياتها.
كل ذلك معقول وأساسي على صعيد اقتحامات النواب وتجهيزات الحكومة، لكنه «لا يكفي» برأي الخبير العناني؛ حيث تساؤلات جوهرية في عمق معادلة «الجاهزية لسيناريوهات التحدي الاقتصادي»، وحيث حرب جديدة بغطاء إقليمي مرشحة للتوسع وفيها «متغير جيوسياسي غير مضمون» ولها تداعيات اقتصادية وسياسية واستراتيجية لا يمكن تجاهلها اقتصادياً على الأقل، وحيث صراع عسكري حاد قد يؤدي الى تبدلات أساسية محورية ينبغي للحكومة الأردنية أن تأخذها بالاعتبار عند الحساب والتشخيص والتحليل، بصرف النظر عن نتائج الصراع العسكرية والسياسية، لأن التشخيص المطلوب يتطلب رفع مستوى الجاهزية للتفاعل مع «تحديات اقتصادية لا يستهان بها».
