اراء و مقالات

الأردن و«خبث» المساعدات الأمريكية

لا يمكن عمليا إلا التصفيق لخطة الحكومة الأردنية التي تحمل عناوين تكريس منهجي للاعتماد على الذات لا بل للاستغناء أيضا عن المساعدات

لا يمكن عمليا إلا التصفيق لخطة الحكومة الأردنية التي تحمل عناوين تكريس منهجي للاعتماد على الذات لا بل للاستغناء أيضا عن المساعدات في السنوات والمرحلة اللاحقة إن وجد القوم سبيلا لذلك.
لعل الحكومة الحالية على الأقل تستجيب هنا لما حذر منه معارضون ومواطنون عاديون طوال العقدين الماضيين تحت عنوان الانتباه، لأن المساعدات الأمريكية تحديدا لم تعد حصرا قيدا على استقلالية القرار السياسي والوطني الأردني فقط، خصوصا في الأزمات والمنحنيات المتعرجة الدقيقة بل أصبحت تلك المساعدات على نحو أو آخر للأسف جزءا من منظومة خبيثة لدى اليمين الأمريكي ومعه اليمين الإسرائيلي للضغط على الأردن سياسيا وأحيانا أمنيا واجتماعيا واقتصاديا بطبيعة الحال.
المساعدات الأمريكية حصرا تخرج عن سكتها الوطنية الأردنية والوظيفية التي وضعت من أجلها، والأمر لم يعد يتعلق فقط بالقيود السياسية بل أصبح استمرار الاعتماد عليها منتجا حيويا لأزمة ثقة عميقة بين المؤسسات الرسمية والشعب الأردني الذي يقدر بأن الحكومات المتعاقبة خصصت مساحة «قداسة غير مبررة» لتلك المساعدات ولا تجيد التفاوض بشأنها خلافا لأن ثلثها «مسروق» من المانحين الأمريكيين أنفسهم، وثلثها الآخر لا ينفق برشد، والثلث الأخير لا يعبر عن قيمة حقيقية لما يستفيد منه الأمريكيون في التحالف.
ثمة ضعف من الصعب إنكاره في جبهة حكومات الماضي في إدارة تفاوض ينتهي باعتبار المساعدات جزءا بسيطا جدا من بدل استضافة قواعد عسكرية أمريكية ومشاركة الولايات المتحدة «الصديقة العدوة الآن» في انحيازاتها وبرامجها في المنطقة دون ضمان بالمقابل بأن لا تعتدي إسرائيل أو تتوسع على حساب الأردن أو تتوقف عن صناعة أزمات تؤثر على العمق المصلحي الأردني.
مؤخرا فقط شعرت الحكومة الأردنية بخطر وشيك وهو ما لمسه الرأي العام والجمهور في الواقع مباشرة قبل الحكومة ومنذ سنوات.
طبعا تعريف ذلك الخطر الرسمي يختلف عن فهمه الشعبي وفي مسألة المساعدات وتكريس منهجية الاعتماد على الذات والتحول ولو بالقطعة والتقسيط والتدريج إلى دولة الإنتاج أن تأتي متأخرا خير من أن لا تحضر.
الخطوات التي أعلنت في تفعيل وتنشيط مبدأ المسؤولية الاجتماعية عند بعض الشركات الأردنية الكبيرة التي تراكم الأرباح منذ عقود يمثل سياسة حصيفة.

لا يمكن عمليا إلا التصفيق لخطة الحكومة الأردنية التي تحمل عناوين تكريس منهجي للاعتماد على الذات لا بل للاستغناء أيضا عن المساعدات

وهي سياسة في كل حال لا يمكن الاختلاف معها لا بل تشكل مطلبا حيويا وأساسيا للأردنيين منذ سنوات طويلة ويفترض أن تتمأسس وتتحول إلى منهجية قانونية تتمتع بالديمومة والاستمرار بعيدا عن منطق «الفزعة أو التبرع» لأن قيام القطاع الخاص ورأس المال المحلي بـ«الواجب» في ظل دولة الاستقرار الأمني لا صله له بحكاية التبرع أو التطوع بتقديم مال للخزينة على أن يقدر الناس بالمقابل مبادرات القيام بالواجب الأخلاقي والوطني هنا.
نحتاج لتطبيق فعال ونشط لمبدأ المسؤولية الاجتماعية لدى القطاع الخاص والاعتماد على ذلك القطاع حصرا في تعويض فاقد المساعدات الأمريكية لا يمكنه أن يشكل الخطوة الوحيدة، إذا كانت النوايا خارج التكتيك وتتميز بالجدية.
الانتقال الحقيقي مجددا إلى دولة الخدمات والإنتاج، وتحديد هوية الاقتصاد الأردني هو السطر المخفي في كل الخطط الاقتصادية، وإذا كانت الظروف السياسية أو الجيوسياسية لا بل تلك المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية كانت تحول دون تقدم الأردن في الماضي لأسباب قد تفهم الآن نحو دولة الإنتاج وسياسة الاعتماد على الذات فقد تغيرت هذه الظروف.
الأردن مستهدفا ومن اليمين الأمريكي قبل الإسرائيلي… عليه لابد من تغيير طريقة الطهي وخطط الإعداد وليتذكر الجميع بأن إعداد طبق «العجة» يتطلب «تكسير البيض» فالقطاع الخاص حتى يتحرك بحماس وطني ثمة تغييرات وتعديلات على المستوى الإداري والفلسفي العميق في بنية مؤسسات الدولة والمتبرعين لديهم «احتياجات» تعرفها المؤسسة.
مرجح أن اللحظة التي هدد فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأردن بقطع المساعدات ثم قطع فعلا بعض المساعدات وبمئات الملايين من الدولارات هي تلك اللحظة التي أثبتت بأن المساعدات لدول صديقة للولايات المتحدة مثل الأردن أصبحت سلاحا في يد بنيامين نتنياهو وزمرته الفاسدة الشريرة الموتورة التي تحكم الكيان الإسرائيلي.
ذلك يكفي كمسوغ وطني عملياتي لأي خطوات منهجية وبرامجية يمكن للحكومة أن تتخذها سياديا في اتجاه الاعتماد على الذات شريطة أن تكون النوايا جادة وطيبة واستثنائية وفعلية في هذه المساحة، وشريطة أن يقاوم الأردن وحكومته في النتيجة أي اتجاه عكسي يريد بقاء الأردن معتمدا اقتصاديا على المساعدات.
الشعب الأردني هنا يمكنه تحمل ما لا يتخيله الوزراء والمسؤولون من الصبر الاستراتيجي في المسألة الاقتصادية والمعيشية إذا شعر في أي لحظة بأن الحكومة في اتجاه القرارات الوطنية والاستقلالية دون أن يعني ذلك طبعا مغامرات ومجازفات في البنود المتعلقة بأولوية حماية الأردن والأردنيين.
نضم صوتنا للمطالبين بخطوات جذرية وفعلية ومنهجية وقيود في مسألة الديون الخارجية والتحول الإنتاجي والمصارحات مع الشعب والشفافية ومكافحة الفساد وترشيد الإنفاق الحكومي وتقليص الحكومة والأهم «تعريف وتحديد وتسمية» الهوية الاقتصادية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading