«الأولوية للمستوطنات»: ابتزاز إسرائيلي للأردن في زمن الحرب
سؤال حجب الغاز والمياه يتصدر

عمان ـ «القدس العربي»: «الأولوية للمستوطنات»، هذا ما أبلغته حكومة تل أبيب رداً على استفسار أردني عبر وسيط ثالث على الأرجح بشأن مبررات ومسوغات القرار الإسرائيلي بحجب الغاز المتفق عليه إلى الأردن.
تلك أولوية تلفت الأنظار، وبعض التعليقات خصوصاً من نشطاء سياسيين على منصات التواصل الاجتماعي بدأت تسأل: إسرائيل تستفيد بصورة عملياتية من النشاط الدفاعي الأردني في التصدي للصواريخ الإيرانية التي تعبر، لكنها توقف ضخ الغاز في المقابل. أليست تلك مشكلة؟
لا أحد عملياً يملك إجابة حصيفة على سؤال من هذا الطراز؛ لأن قواعد الاشتباك في أمن الأردن وتطبيق مبدأ الحياد العملياتي ثابت مؤكد ودائم في السياسة الأردنية بصرف النظر عن من يستفيد.
المفارقة تمثلت في أن إسرائيل كانت قد حجبت قبل أكثر من عام نصف واردات الغاز إلى الأردن لأسباب تخص أمنها وبدون حروب، فيما تزيد المفارقة ذاتها عمقاً لأن اتفاقية الغاز التي أجبر الأمريكيون الأردن على توقيعها في الماضي لا يلتزم بها الإسرائيلي، مع أن ظروف مناخ العمليات العسكرية لا تمنع في الواقع استمرار ضخ الغاز إلى الأردن.
هنا يقف الأردنيون مجدداً أمام سؤال الغاز والموارد في لحظات عصيبة. رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو، كان قبل حتى الحرب الحالية قد امتنع عن تجديد توقيع بروتوكول ضخ كميات سنوية متفق عليها سنوياً من المياه للأردن.
والمعنى هنا أن الحكومة الإسرائيلية الحالية وفي أوقات الحرب والسلم لا تلتزم بتغطية احتياجات الأردن، لأن هوسها الأساسي -برأي الخبير الدكتور دريد محاسنة الذي سمعته «القدس العربي» مباشرة- يتمثل في السيطرة على الموارد المائية في المنطقة دون أن يمنع بذلك -برأي خبراء آخرين- الحرص على ابتزاز لبنان وسوريا في المياه، والأردن في المياه والغاز. ذلك ابتزاز علني وفي لحظة حرب، وهو ما يجعل الكلفة ـ في رأي الناشط السياسي الشيخ محمد الحديد ـ أكبر بكثير على الاقتصاد الأردني وعلى الوضع المعيشي.
قبل الحرب الجديدة بـ 3 أيام فقط، صدر توجيه عن رئيس الوزراء الأردني الدكتور جعفر حسان، بتشكيل فريق وزاري وفني يبحث عن بديل للمياه التي حجبها نتنياهو.
وبعد بدء الحرب بساعات، أعلن وزير الطاقة صالح الخرابشة، أن ضخ الغاز من المتوسط توقف، وأن حكومته تبحث في البدائل وأبرزها وأكثرها كلفة مالية في الواقع استبدال الغاز بالديزل، واستخدام الاحتياط في مدينة العقبة لإنتاج الكهرباء.
عمان لا تبدو مقتنعة بأن الجانب الإسرائيلي حجب الغاز لأسباب أمنية. والحكومة لا تجيب عن الأسئلة التي تقارن السلوك السياسي الأردني بالسلوك السياسي الإسرائيلي في لحظات حرب يدفع فيها الأردن بوضوح وعلناً ثمن وكلفة للمغامرة الإسرائيلية الأمريكية الجديدة ضد إيران.
سؤال حجب الغاز والمياه يتصدر
تتزامن الأسئلة الحرجة هنا مع ما يرد من جانب دول عربية شقيقة للأردن تقترح بأن الولايات المتحدة تركيزها الأساسي والشديد في الحرب ضد إيران على تأمين وحماية الكيان الإسرائيلي بدلاً من الدول العربية التي يستهدفها الإيراني عملياتياً بطبيعة الحال. الرأي العام الأردني لا يبدو مرتاحاً لتلك المقاربات. وحجب الغاز الإسرائيلي يهدد أمن الطاقة الأردني في لحظة حرب، فيما المؤشرات الإيرانية لا تبدو عملياتياً أيضاً مهتمة لا باحتياجات الأردن ولا حتى بالفوضى الناتجة عن العمليات العسكرية في الخليج العربي، فيما أصوات الطائرات وصفارات الإنذار تنتج أجواء مقلقة للأردنيين لليوم الثالث على التوالي.
وهنا بعيداً عن التأثير الاقتصادي والمشكلات المتوقعة في حال استمرت الحرب لعدة أسابيع كما هو متوقع، يمكن القول في السياق السياسي الدبلوماسي بأن عمان تزيد من جرعة الاعتراض والاحتجاج على ما تسميه «اعتداءات غير مبررة» على الأردن وبعض الدول العربية في سياق عمليات قررها ونفذها الإيرانيون لإنتاج حالة فوضى في المنطقة على حساب الأمن القومي العربي، وبهدف رفع كلفة وفاتورة الحرب الأمريكية الجديدة.
حجم الضيق الرسمي الأردني مما سماه وزير الخارجية أيمن الصفدي بـ«التصرفات الإيرانية العدائية غير المبررة» بدأ يزيد وسط دوائر القرار الأردنية ووسط بعض القناعات بأن ما تفعله إيران مع الدول العربية في الواقع قد يخدم أجندة اليمين الإسرائيلي وليس العكس.
خلال الساعات القليلة الماضية، انسحب الاستياء الأردني على إصدار بيانات باسم المجموعة العربية تستنكر وتدين وترفض، لا بل تلوح بقواعد الحماية الدفاعية والرد، أما دخول مجلس النواب في عمان ظهر الإثنين على خط الاشتباك والرفض للعدوان الإيراني على الأردن والدول العربية فهو مؤشر يعزز الانطباع بأن المؤسسة باتت أكثر قلقاً.
رئيس مجلس نواب الأردن، مازن القاضي، أدان العدوان الإيراني في مداخلة باسم النواب.
وفي جلسة كانت مخصصة لتشريع أحد القوانين، برزت مداخلة لرئيس كتلة جبهة العمل الإسلامي البرلمانية صالح العرموطي، قال فيها إن ما يجري عدوان مباشر على دولة مسلمة، والدور بعد إيران على تركيا والباكستان. والكيان الإسرائيلي هو الأولى بالزوال مع السياسية الأمريكية في المنطقة.
وهو يوضح هنا بأن التصور بعد الاتفاق على ثابت أمن واستقرار الأردن ليس موحداً ما بين المكونات الاجتماعية والحكومة.
الأردنيون مستمرون في التقاط الصور مع الصواريخ والشظايا التي تسقط، ويواصلون إظهار البهجة بالصاروخ الذي يضرب إسرائيل.
كل التحذيرات البيروقراطية والإعلامية هنا لا تبدل في مثل هذا السلوك، وإن كان الرفض لأي مساس بالأمن الأردني في المستوى الأفقي. وهو المضمون ذاته الذي ورد في بيان صدر عن أكبر أحزاب المعارضة في البلاد مساء الأحد، حيث نصوص تدعم عمليات الحفاظ على أمن واستقرار الأردن وتدين وتستنكر «العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران»، وهو ما لم تقل به بعد البيانات الصادرة عن الناطق باسم الخارجية الأردنية.
