الصفدي «يحتجب قليلاً» والشارع يلحّ… الأردن في الملف الإيراني: الرمادي هو اللون الأسلم

عمان- «القدس العربي»: الإلحاح الشديد على الحكومة الأردنية مجدداً للتحدث علناً عن استعراضات عض الأصابع العسكرية التي تشهدها المنطقة بين الأمريكيين والإيرانيين في المنطقة قد لا يعبر بصيغة دقيقة عن الموقف الرسمي الأردني، ولا عن كيفية إدارة الملف خلف الستائر والكواليس.
عمان تمتلئ بالإيحاءات والإلحاحات، ولا يمكن افتراض أن واجب حكومتها، سياسياً وإعلامياً، ملاحقة أو متابعة «التقولات» سواء امتدحت البوصلة الرسمية بصورة «تحريضية» على إيران، أم انتقدت مؤشرات «الكمون التكتيكي والصمت السياسي» في مواجهة حرب إن تصاعدت ستكون «شرسة»، وتخلط كل الأرواق، وتهدد استقرار الإقليم، وهو ما يركز عليه وزير الخارجية أيمن الصفدي في اتصالات «الأزمة»، والأرجح أن عمان ستركز عليه أكثر في المباحثات التي ستجري الأحد في لقاء القمة بين الملك عبد الله الثاني والرئيس عبد الفتاح السيسي.
الثابت في استراتيجية الاشتباك مع «سيناريوهات الحرب مع إيران» أن الأردن «لا يريد التورط»، وأن المقاربة اليوم متباينة ومختلفة مع ما حصل في المواجهة الإيرانية- الاسرائيلية السابقة، وأن إدارة التوازنات تطلبت فيما يبدو «الصمت وعدم الإكثار من الكلام»؛ لأن عمان شرطها وقيدها الوحيد وفي كل الأوقات هو «تحصين الأمن الوطني والحدودي»، وتملك قدرة فائقة جداً على تعزيز «أنظمة الدفاع الجوي» حصراً تحسباً لاندلاع حرب يقدر الأردنيون أنها «قد تصبح طويلة وإقليمية ويكتوي بنارها الجميع».
السؤال هنا يصبح: كيف تدير عمان مجساتها وتحتفظ بسياسة «النأي بالنفس» عملياتياً؟ وما هي مساحات «المناورة» المنطقية لتجنب «أي توريط أو تورط» يستفيد منه الإسرائيليون؟
تلك تبدو أسئلة صعبة ومعقدة، فيما تحتفظ المؤسسة الأردنية بـ «قيمة الصمت والكمون» في مواجهة فاتورة الإلحاح.
تحفل منصات التواصل المحلية بتلك الآراء والاجتهادات التي تحذر الدولة من «أي تورط في المغامرة الأمريكية الجديدة» ضد إيران، على أساس القناعة، بالرغم من صعوبة الثقة بطهران، كما يرى الناشط السياسي محمد خلف الحديد وهو يناقش «القدس العربي» بأن الولايات المتحدة تستهدف الإسلام والمسلمين في كل الأحوال، ولن تكون معنية بأي حرب إلا من أجل إسرائيل.
في المقابل، لدى الدولة الأردنية خبرات معمقة في صراعات الإقليم، وتعرف طريق تجنب الانزلاق، وتحمل كلفة صراع لا ناقة للشعب الأردني فيه ولا بعير، وفقاً للحديد، في توقيت حساس وحرج فكرته أنها حرب بالوكالة نيابة عن تل أبيب.
أعاد مئات الأردنيين ضمن سياقات الهواجس نشر التقرير الروسي الذي استعرض أسماء الدول التي فيها قواعد عسكرية أمريكية ويمكن لإيران استهدافها- إن ضربت.
ورد اسم الأردن طبعاً، مع علم الرأي العام بأن القواعد الأمريكية ليست سرية بل معروفة مسبقاً، وإن كان نواب مستقلون ومعارضون سبق أن طالبوا حكومة البلاد بعرض اتفاقيات تلك القواعد على ممثلي الشعب، الأمر الذي لا يحصل ويمس بالسيادة الوطنية، وفقا للرأي الذي سمعته سابقاً «القدس العربي» من القطب البرلماني صالح عرموطي.
الإشكال ليس في علاقات انتهت بقواعد عسكرية، ولكن في نصوص تعطي الأمريكيين صلاحية التصرف داخل قواعدهم بدون رقابة. هنا حاول الإسلاميون والناقدون التعرض والمناكفة، لكن متطلبات المصالح العليا الأردنية لا يمكن إغفالها أو إخضاعها عملياتياً لمؤشرات الرغبة بالمناكفة فقط.
النقاش العام بين الأردنيين يعبر عموماً عن إحساس بـ «مخاطر» لا تبدو «معرفة أو مشروحة»، وما يزيد التعقيد أن الحكومة صمتت ولا تريد التعرض والتحدث حتى في الكلاسيكيات.
بالمقابل، الإلحاح على كسر «حلقات الصمت التكتيكي» قد يعبر عن «خطأ بصري سياسي» لأن عمان تجد إزاء حالة التحشيد العسكرية الحالية نفسها في منطقة منعزلة أولاً عن التأثير الحقيقي بالمسارات على الأقل علناً، وثانياً عن صراع محتمل يفترض الاستعداد له تحت عنوان حماية «الأردن أرضاً وشعباً أولاً» بدلاً من الإكثار من الكلام، وهو شعار لا يمكن الاختلاف عليه بين الناس والسلطات.
لأسباب لا تبدو كاملة الوضوح حتى الآن، تكتم الحكومة ومعها المؤسسة الأردنية تقديرات موقفها إزاء جولة الصراع المحتملة والمفترضة، لا بل الوشيكة بين الولايات المتحدة وإيران، مع أن القناعة راسخة بأن أجواء التصعيد العسكري لا تخدم لا عملية السلام أو ما تبقى منها، كما يصر الخبير السياسي المعروف الدكتور جواد العناني، ولا تعزز الأمن والاستقرار. غير أن من يبدأ الحرب قد لا يتمكن من حسمها بسبب تعقيدات المنطقة؛ لأن الأردن سيدفع كلفة وثمن «عسكرة البحر الأحمر» اقتصادياً وسط محيط أمني إقليمي في «حالة هشاشة». على مستوى مجالس الأردنيين وفي سهراتهم وفي دور العزاء والنقاشات السياسية والمنزلية وفي المزارع، لا حديث إلا عن التوقيت الذي ستندلع فيه الحرب الجديدة.
يعقب ذلك على سلم أولويات النقاشات المحلية طرح الأسئلة عن حجم الضرر الذي يمكن أن يلحق الأردن، خصوصاً في ظل تقديرات غرفة القرار بأن إسرائيل ستكون الهدف الرئيسي لأي رد إيراني على عمليات عسكرية تصعيدية ينفذها الأمريكيون ضد الجمهورية الإسلامية.
ذلك يعني العودة لظاهرة الكاميرات الخلوية للمواطنين الأردنيين التي تراقب اصطياد الصواريخ والمسيرات وهي تحاول العبور، حيث كان المشهد مألوفاً أيام الحرب التي استمرت 12 يوماً بين تل أبيب وطهران. ويعني أيضاً أن الرأي العام يتابع بشغف ليس نكاية بالأمريكيين والإسرائيليين فقط، ولكن تفاعلاً مع الاحتياجات التي يمكن أن تبرز على المستوى الأمني والاستراتيجي لحماية البلاد والعباد.
في مواجهة الـ 12 يوماً، أكثر وزير الخارجية الصفدي من تصريحات علنية تعلن «الحياد العملياتي» وعدم السماح بتحول البلاد إلى ساحة صراع بين طرفين.
وفي المواجهة التي تتعسكر بسببها المياه الإقليمية الآن، لم يظهر الصفدي ولا مرة واحدة ليكرر أو يشرح، وهو ما يعكس تعقيدات ومصاعب تطبيق قواعد «الاشتباك في الحياد العملياتي»، ويعكس قراءة في الحرب الوشيكة أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة بين إيران وإسرائيل، التقط فيها الأردنيون صوراً لمقذوفات إيرانية وهي تضرب تل أبيب بحماسة.
الحماسة الشعبية ليست بديلاً عن «المصالح العليا»، والمقاربة الآن مختلفة، وما تقوله الحكومة الأردنية ضمناً هو أن سيناريو النأي بالنفس هو الذي تطلب «الصوم التكتيكي» عن الكلام والتصريحات. وما يرشح عن كل مستويات القرار أن الأولية -إذا اندلعت الحرب- ستكون وينبغي أن تكون ليس الاستجابة لإلحاح الجمهور على مشاهدة الصفدي تلفزيونياً مجدداً وهو «ينفي أو يؤكد أو يحذر»، بل توفير ضمانات الحماية الدفاعية للأراضي الأردنية في الميدان وبكفاءة خبيرة يعلمها الشارع بعيداً عن التورط المباشر قدر الإمكان.
عمان ولأسباب مفهومة في منطقة «رمادية» فيما يخص الصراع الجديد الحالي بين واشنطن وطهران؛ تقف عند حدود المراقبة وتحصين الذات.
المقاربة تختلف عن منازلة تل أبيب- طهران. واللون الرمادي قد يكون الأنسب للبقاء فيه مرحلياً، بعيداً عن مقولة «ما يطلبه الجمهور»… لذلك، يرى مراقبون أن الوزير الصفدي «يحتجب قليلاً».
