تشريعات الأردن: «التأمينات الاجتماعية» و«علاوة المعلمين».. هل يجيد الإسلاميون تكتيكات «الثلث المعطل»؟

عمان ـ «القدس العربي»: صعدت كتلة جبهة العمل الإسلامي المعارضة في الأردن من خطابها ضد قانون الضمان الاجتماعي الذي تقدمت به الحكومة وتصر عليه، في محاولة سياسية جديدة لإعاقة تقدم هذا القانون الذي يثير عاصفة اعتراض شعبية عارمة.
وفي آخر محطات التفاعل عبر وسائل الإعلام، صرح رئيس الكتلة القطب البرلماني صالح العرموطي، بأن القانون يخالف الدستور، وعلى الحكومة التراجع عنه.
واعتبر العرموطي أن قانون الضمان الاجتماعي يخالف النص الدستوري الصريح القائل «تكفل الدولة الطمأنينة للمواطنين»، معتبراً أن قانون الضمان يبدد الطمأنينة الوطنية ولا يكفلها.
وفي تصعيد آخر لنواب التيار الإسلامي، أعلنت الكتلة بأن كل خياراتها مفتوحة بموجب الدستور ضد قانون الضمان الاجتماعي، الذي يرفع سن التقاعد بدعوى الحفاظ على المركز المالي للمؤسسة المهمة المعنية بالتأمينات الاجتماعية.
وصرح النائب حسن الرياطي، بأن الكتلة تقف مع الشعب وليس مع الحكومة، وخياراتها مفتوحة.
لم يعرف بعد ما إذا كان الرياطي يقصد طرح الثقة بالحكومة إذا ما أصرت على قانون الضمان الاجتماعي سيئ السمعة والصيت، أو التلويح بموقف شعبوي فكرته الاستقالة الجماعية من البرلمان.
خطاب التيار الإسلامي هنا تزامن مع قرب انتهاء أعمال اللجنة النيابية المكلفة بإقرار القانون، فيما يظهر أمام الرأي العام أن حزب جبهة العمل الإسلامي هو الوحيد الذي يقف مع الشارع ضد ذلك القانون المثير للجدل.
وكان رئيس اللجنة النيابية التي تدير النقاش في القانون، أنديه حواري، قد أبلغ بانتهاء النقاشات والحوارات، وبدأت عملية التصويت داخل اللجنة مع توقعات بأن مسألة التصويت على بنود توافق عليها الحكومة داخل اللجنة ستكون صعبة للغاية في ظل وجود عضوين من جبهة العمل الإسلامي داخل اللجنة سيسجلان بالتأكيد مخالفات وسلسلة من التحفظات الدستورية.
يحصل ذلك كله بالتزامن مع تمكن جبهة العمل الإسلامي من فرض إيقاع التصويت وحسمه لصالحها في بند شعبي مهم خلال مناقشة تعديل جديد على قانون التربية والتعليم، حيث صوت المجلس بناء على اقتراح الإسلاميين حسب تقارير محلية وقوفاً على فرض «علاوة فنية» إضافية بموجب القانون لكل المعلمين في المملكة.
وشوهد نواب التيار الإسلامي ينادون بالاسم والصوت على زملاء لهم للوقوف والتصويت معهم تجنباً للإحراج مع المواطنين والشارع، فيما يسجل للإسلاميين في قطاع المعلمين -وهو الأضخم في القطاع العام- أنهم وقفوا بصلابة وتمكنوا من تسمية علاوة فنية بنص القانون، وهي خطوة يعتقد أنها ستغذي حضور الإسلاميين في الشارع وتعزز قواعدهم الشعبية، خصوصاً عند شرائح السلك التعليمي.
وفي المقابل، يمكن القول عموماً بأن كتلة جبهة العمل قادت بعض الاجتهادات في مسارات التشريع وعلى سكة قوانين وتشريعات في غاية الأهمية في سياق سيناريو وتكتيك «الثلث المعطل».
والمعنى هنا أن الكتلة في الأسبوع الأخير وحصراً تجاه ملفي قانوني الضمان الاجتماعي والتربية والتعليم الجديدين، كانت قائدة ورائدة في قيادة مسارب نقاشات التشريع، لا بل تسببت في إزعاج تصورات الحكومة التشريعية بممارسة ديمقراطية وانتخابية وسياسية ودستورية لا يمكن الاختلاف معها أو عليها، حيث مارست الكتلة عملية تعطيل؛ بمعنى ثلث الأصوات، لما تريده الحكومة في بعض النصوص، لكن بصيغة تكتيكية غير مباشرة.
إذا كان ما حصل في قانون التربية والتعليم نموذجاً يصلح للقياس، يمكن مقدماً توقع مناورات ومناولات تشريعية حادة فيما يتعلق بقانون الضمان الاجتماعي سيئ السمعة والصيت شعبياً، عند وصوله إلى المجلس، وبصيغة تضمن إطالة عمر النقاشات وحرمان الحكومة من بعض تصوراتها في النصوص أو تعديل النصوص عبر ممارسة ديمقراطية دستورية فكرتها تأزيم النقاشات والعمل على إحراج بقية الأطياف والكتل الحزبية الوسطية أمام الرأي العام والكاميرات والتنطح للنقاشات.
وهو تكتيك نجح في توفير أفضلية تشريعية لنواب الكتلة الإسلامية في الجزئية المتعلقة بالعلاوة الفنية لقطاع المعلمين، ونجح أيضاً في برمجة وتخفيف حدة نصين معدلين على الأقل في قانون وزارة التربية والتعليم، حيث بدا للجمهور بالحد الأدنى أن من يتنطحون لمناقشة وزير التربية والتعليم المخضرم الدكتور عزمي المحافظة والحكومة أكثر من غيرهم وبصياغات فنية عميقة لها علاقة بالقطاع ومدروسة، هم نواب المعارضة الإسلامية.
تلك مهمة يبدو أن نواب أحزاب الوسط لا يجيدون التعاطي والتفاعل معها، ليس بسبب قصور تشريعي أو مهني أو سياسي، ولكن بسبب أن كتلة جبهة العمل الإسلامي تحفظ درسها جيداً، وتستعد في اجتماعات تنسيقية وتشاورية معقدة لكل النصوص المرتبطة بالخدمة العامة للمواطنين، لأن فريقاً كاملاً من الخبراء التقنيين والتكنوقراطيين وأحياناً الباحثين والبيروقراطيين، يرفدون نواب الكتلة بالنصائح والإرشادات.
ظهرت العلامة الفارقة في تفصيلات قانوني التعليم والضمان، وفي التعطيلات التشريعية لبعض النصوص. وستظهر لاحقاً بصورة مرجحة في توصيات لجنة العمل النيابية، حيث عضوان يمثلان الجبهة الإسلامية يمكنهما الشغب والمناكفة عبر آلية التحفظ الدستورية، ثم التحدث مباشرة شعبوياً مع المواطنين.
تلك صورة أقر حتى إعلاميون مخضرمون، من بينهم سمير الحياري صاحب الخبرة العريضة، بأن التيار ينجح فيها على حساب رواية بقية الأطراف.
في الاستنتاج والخلاصة، المناورات التشريعية التكتيكية التي ظهرت عند مناقشة قانون معدل للتربية والتعليم والتي يفترض أن تظهر لاحقاً عند مناقشة قانون الضمان الاجتماعي، فيها قدر كبير من محطات التكتيك تحت عناوين نسخة معدلة ومطورة من الثلث المعطل.
هذا التكتيك يراكم وبصرف النظر عن قدرة الأحزاب الوسطية، رصيداً عند الجمهور والناخبين، خصوصاً أن المسألة لا تتعلق هنا بخطابات سياسية، ولا حتى بملفات لها علاقة بمواقف سياسية، بل بقضايا فنية وإدارية وبيروقراطية مهمة جداً لشرائح كبيرة وضخمة في القطاع العام أو وسط المواطنين.
