اراء و مقالات

«رادارات» الحرب الأمريكية: «ضخ إعلامي جائر»… هل تخطط تل أبيب لإثارة الفوضى في الأردن؟

عمان- «القدس العربي»: وسط زيادة ملحوظة في «الضخ الإعلامي» عبر تقارير وأحياناً صور تتحدث عن «تسمين» قاعدة عسكرية أمريكية في الأراضي الأردنية مؤخراً، يزحف وينمو المنطق الذي يفترض وسط النخب الخبيرة في أوساط عمان وصالوناتها السياسية بأن جهة ما في العمق اليميني الإسرائيلي قد تكون معنية وبأي وقت لاحقاً برسم سيناريو «إثارة الفوضى في الأردن».
التسمين الإعلامي هنا وعلى هامش طبول الحرب التي يقرعها الأمريكيون ضد إيران، بدأ يتشكل حوله شعور مؤسسي ونخبوي وأهلي في عمان باحتمالية وجود «أجندة ما» لدى الكيان الإسرائيلي لتأزيم الأوضاع على الخاصرة الشرقية لفلسطين المحتلة، الأمر الذي يقترح السياسي المخضرم الدكتور محمد حلايقة الانتباه بحذر شديد له بسبب غياب «الرادع الأمريكي» الذي طالما راهنت عليه الدول العربية وأصبح حمالاً للأوجه اليوم.
قبل تطورات الإقليم الأخيرة السردية التي استمر في ترويجها دعاة وأنصار عملية السلام في الماضي هو ذلك الذي يعتبر استقرار الحالة الأردنية بمثابة «مصلحة إسرائيلية مباشرة».
مثل هذا الطرح يختفي عن شاشات الرادارات الآن لصالح صور ينشرها البعض بدون تدقيق ومنهجية علمية بعنوان «تخزين المزيد من الأسلحة الأمريكية» في الأردن، علما بأن التعاون الدفاعي المشترك أمر واقع يعلم به الجميع، كما يتصور المحلل السياسي الدكتور رامي العياصرة.
فجأة ومع زيادة «الضخ الإعلامي» الذي يسلط الضوء على اللوجستيات الأمريكية العسكرية في الأردن حصراً، تزحف وتنمو مخاوف سيناريو الفوضى التي تدعمها إسرائيل باعتبار مصالحها التوسعية المعلنة تلك التي تتطلب إسقاط معادلة الثبات والاستقرار الأردني عبر الإيحاء المتكرر بأن عمان ستكون طرفاً في الحرب ضد إيران، علماً بأن الهرم الأردني الرسمي من القمة إلى القاعدة يعلن وبكل اللهجات أن المملكة ليست ولن تكون طرفاً ومساحة للصراع.
مخاطر التأزيم الإسرائيلية، برأي حلايقة، دوماً في الإطار والسياق والصورة، وأهم إشكالات عمان صعوبة قياس مثل تلك المخاطر في زمن الإعلام الرقمي والشعبي الفوضوي.
إسناد سيناريو الفوضى التي يمكن لليمين الإسرائيلي دعمها يتطلب العودة لما طرحه علناً أمام «القدس العربي» عدة مرات وزير الخارجية الأسبق الدكتور مروان المعشر وهو يعلن: «إسرائيل لم تتغير فقط، بل انقلبت على السلام وعلى الأردن لا بل على نفسها».
انقلاب الإسرائيليين على الأردن حصراً لم يعد يتعلق بقضية الأقصى والقدس والوصاية فقط، ولا يقتصر -حتى برأي المحلل والخبير العسكري نضال أبو زيد- على ما يحصل في الأغوار ونوايا التهجير، بل يشمل معادلة لا يتطرق لها الإعلام، عنوانها كثافة غير معتادة وهجمة في تهريب المخدرات باتجاه الأردن مرة من شمالي فلسطين المحتلة وحدود الجولان، ومرات من الجنوب وبئر السبع.
ما اقترحه أبو زيد سابقاً في وقفة نقاشية مع «القدس العربي» هو تأمل صفحة هجمة المخدرات من عصابات إسرائيلية قبل قلبها، والإجابة عن سؤال التواطؤ الذي تمارسه فرقة جلعاد العسكرية الإسرائيلية أثناء حراستها لحدود الأغوار عن هجمات المخدرات التي باتت منظمة.
وقد لا يتعلق التحدي الأردني فقط بملف المخدرات التي انخفضت من الحدود السورية وتضاعفت فجأة بتقنيات جديدة على الحدود مع فلسطين المحتلة، بل ثمة ما يريب في جزئية «زيادة ملحوظة» في عدد من يحاولون «التسلل» إلى الأردن من الجانب الإسرائيلي، أو في عدد الحالات التي يصفها إعلام تل أبيب بأنها تمثل من «ضلوا الطريق» خلافاً طبعاً لـ «المعدات» التي يتم إسقاطها بكفاءة أردنياً في بالونات ومناطيد ومسيرات.
الأسئلة التي يثيرها دبلوماسيون غربيون بعنوان طبيعة ما يجري على حدود الأردن مع الكيان، أجوبتها موجودة -برأي الخبير الدكتور أنور الخفش- لدى المؤسسات الأردنية العميقة وصاحبة التجربة الكبيرة في مراقبة الإسرائيليين لا بل فهمهم عملياتياً.
لكن التركيز الشديد في الإعلام الإسرائيلي على المقومات العسكرية الأمريكية في الأردن بدأ يثير الارتياب كما لم يحصل من قبل من جهة نخب أردنية تلاحق الآن باهتمام سؤالاً من طراز: لماذا يسعى الإسرائيليون لتأزيم العلاقة بين طهران وعمان وبنشاط ملحوظ؟
وهو سؤال يتبعه -وفقاً لشخصية رسمية أردنية خبيرة- سؤال آخر: هل تصمت واشنطن على سيناريوهات التحريض الإسرائيلية ضد الأردن.. ولماذا؟
طبعاً، لا يوجد إجابات مباشرة؛ لأن المؤسسة الأردنية تدير حساباتها هنا بعيدًا عن الإعلام والأضواء ولا تحفل بـ «التسريبات».
لكن الحسابات الأردنية تتقاطع وتصبح غامضة حتى عندما يرسل الأمريكيون ضمانات مرة سياسية ولفظية، ومرات دفاعية وعملياتية، بعنوان تعزيز أنظمة الدفاع الأردنية الجوية ضمن ما سمّته صحيفة نيويورك تايمز، مؤخراً، وهي تنقل عن مسؤولين أردنيين بروتوكولات التعاون الدفاعي المألوفة بين الأردن والولايات المتحدة، وعلى اعتبار أنه بروتوكول ممتد ويسبق كل التطورات الأخيرة إقليمياً، والأهم لا علاقة له بالحرب على إيران.
يسجل عياصرة: تلك البروتوكولات كانت مألوفة، والمتغير يكمن في السيولة الإستراتيجية التي دخلت فيها المنطقة بصيغة تستوجب التريث والمراقبة والانتظار وإجراء حسابات أعمق.
كيف يجري الأردن حساباته عميقة؟
سؤال مطروح ويتحول إلى نقاش؛ لأن الحكومة لا تتحدث مع الناس بسرديات مفصلة، ولأن واجبات حماية الحدود في مرحلة الصراع الإقليمي تقوم بها جهات الاختصاص بصبر ومهنية واحتراف دون مبالغة أو تهويل أو تخفيف لأغراض سياسية.
الإجابات المباشرة علقت أكثر مؤخراً بعد هجمة الإعلام الأمريكي ومعه الإسرائيلي، التي تحاول تسليط الضوء على دور أردني محتمل في «عسكرة المنطقة» لأغراض إخضاع إيران.
والرد تصدر عملياً على لسان وزير الخارجية أيمن الصفدي وهو يجدد القناعة وعلناً بأن بلاده ليست طرفاً بأي صراع، والأراضي الأردنية ومعها الأجواء لن تستخدم في أي عمل حربي لا ضد إيران ولا غيرها.
رغم تأكيدات الصحافة، تمارس بعض التقارير الإعلامية الضخ الجائر وكأنها بصدد رسم صورة نمطية تقول بأن الأردن طرف في الصراع أو الحرب خلافاً لوقائع الحال، الأمر الذي لا يمكن وبإجماع النخب الأردنية قراءته من منطق البراءة والمعلومة، بل بمنطق الخبث والأجندات التي تحاول أو لا تستبعد لاحقا ً»العبث بالصحن الأردني» إسرائيلياً.

 

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading