اراء و مقالات

رسائل «نقاش الأربعاء» في القصر: الأردن «سيبقى آمناً».. «ردع» انتهازية إسرائيل ما أمكن و»عولمة» أمن الخليج

عمان ـ «القدس العربي»: يمكن الاستدلال على أن النقاش الذي احتضنه القصر الملكي الأردني بعد ظهر الأربعاء وفي أول مبادرة «حوارية» أعقبت مباشرة الإعلان عن وقف إطلاق النار في الحرب على إيران، تضمن 3 محاور أساسية تشكل فيما يبدو وبعد الشروحات الملكية التفصيلية استراتيجية الأردن المقررة سياسياً ليس فقط على صعيد «قراءة الحرب»، ولكن على صعيد كيفية التصرف معها.
«نقاش الأربعاء» تم بحضور غالبية أعضاء نادي «رؤساء الحكومات» السابقين وعضوين عن «التمثيل العسكري» في مجلس الأعيان، وأبرز وزيري خارجية سابقين للبلاد من سنوات طويلة، وكبار المسؤولين حالياً.
تركيبة الحضور توحي تلقائياً بتوفر «رسالة مرجعية» على صعيد «تشخيص الموقف والموقع والمصالح» وتجميد الحالة التي يلمح سياسيون كبار بالعادة لأنهم «خارجها» عبر امتناع المسؤولين التنفيذيين عن وضعهم بالصورة.
العديد من كبار الساسة مؤخراً تغيبوا عن المشهد والرواية الرسمية خلال أكثر من 40 يوماً من الحرب ضد إيران، فيما كان تبريرهم أن مسؤولي الطاقم الحالي لا يضعون طبقة «رجال الدولة بالصورة»، فيما يحضر هنا لقاء الأربعاء لوضع رموز تلك الطبقة بالصورة بعد تحديثها.
ما نقله الإعلام الرسمي في السياق يتضمن 3 عناصر أساسية في الفهم الأردني لوضع الإقليم بعد وقف إطلاق النار، أولها أن الأردن بخير و»سيبقى كذلك». ولاحقاً أن «احتمالات التصعيد والعودة للتأزيم العسكري لا تزال واردة». والعنصر الثالث، التركيز مجدداً ليس على التحذير العلني من «استغلال اسرائيل» للوضع الإقليمي وفرض وقائع على الأرض في الضفة الغربية وغزة والقدس.
ولكن على القول بعبارة صريحة بأن الكيان الإسرائيلي «استغل» فعلاً المناخ التصعيدي في تحديث لا يمكن الاستهانة به على صعيد المؤسسة المرجعية في البلاد يتزامن مع تسجيل ملاحظات قلقة بعنوان التصعيد في لبنان حصراً.
مبكراً، كان رئيس الوزراء الأسبق سمير رفاعي، الوحيد بين الساسة الكبار الذي تحدث عن الحرب ضد إيران ومشكلاتها، في ندوة عامة، فيما لم تظهر في الاشتباك التشخيصي والسياسي مع الجمهور وجهات نظر نخبة عريضة من الذين حضروا نقاش أمس الأول الأربعاء، حيث غابت الأسماء الكبيرة عن الحضور والمشاركة وبوضوح، ما تسبب بولادة «سرديات إعلامية» خفيفة الوزن تحترف إشاعة الاحتقان.
الضباب الذي أنتجته الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران في عمق الشارع الأردني لم يبدده عملياً إلا دعوة الرئيس الرفاعي «اليتيمة» قبل نحو أسبوعين إلى التعاطي مع الحدث بـ «ذهنية الدولة» بعيداً عن الانفعال والمشاعر وسط مشروعين «سياسيين» يستخدمان «الدين والعقائد» كأدوات، الأول إيراني، والآخر إسرائيلي.
رئيس الوزراء الحالي تغيب أيضاً عن التحدث بالتقديرات والتشخيصات بوضوح إعلامياً وبرلمانياً، وبقي الميكروفون بيد وزير الخارجية النشط أيمن الصفدي، فيما بقي رئيس مجلس الأعيان المخضرم فيصل الفايز أيضاً وحده متفاعلاً في إسناد الدولة ومؤسساتها وخطابها في مرحلة الحرب الحساسة التي انتهت بطرح العديد من التساؤلات الحساسة.
لاحقاً، أخفقت أذرع الإعلام الرسمي في تأسيس «سردية» تعكس تشخيص الدولة الأردنية للحرب وتوابعها، التي فهم المشاركون في جولة النقاش الأخيرة في القصر أنها قد تبقى نشطة في كل حال، حيث الإقليم «لم يتعافَ بعد» وحيث «الاحتياطات واجبة».
محور الفكرة المرجعية التي تكررت بوضوح أن ما يحرك البوصلة الأردنية دوماً مسألتان:
الأولى «حماية المملكة من كل وأي تهديد».. وهذا واجب القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.
والأخرى، أن مصلحة الأردنيين هي الهدف الأول والأخير».
هنا حصراً، قد يختلف ساسة ومعلقون على «تركيبة الوصفة» التي تمثل حقاً «مصالح الدولة ورعاياها» بعد التصعيد العسكري الأخير.
لكن ما يبقى ماثلاً أمام المراقبين هو الملخص الذي يقترحه المحلل السياسي الدكتور سنان شقديح في نقاش مع «القدس العربي» بعنوان:» المؤسسات الأردنية قدمت أنموذجاً يعتد به في الصمود والثبات وإدامة الخدمة العامة والوقاية الأمنية والواجب الدفاعي» طوال أكثر من 40 يوماً كانت عصيبة على العالم.
لذلك، على الأرجح وجه الملك في حوار الأربعاء بالحرص على أهمية إدامة التعاون والتنسيق بين أجهزة الدولة لضمان جاهزية التعامل مع التطورات وتبعاتها الاقتصادية، بما يضمن استدامة مخزون آمن واستراتيجي للمواد الأساسية.
وتوجه الحضور بانطباع يؤشر على تقديرات مسبقة بأن صفحة التأزيم في الإقليم لم تغلق بعد، وأن الحرب قد تعود في أي لحظة، وأنموذج التعاطي الوقائي أردنياً مع التداعيات والتفصيلات يجب ضمناً أن يبقى في خطاب «الأزمة» التي تتطلب «ثبات التنسيق المؤسساتي».
وللسبب نفسه، جاء التأكيد الملكي مباشراً على «ثلاثية أردنية» أفرزتها الحرب هي: الحرب كانت مرفوضة، وضرورة ردع الاستغلال الإسرائيلي، وأمن الخليج العربي مفتاح أمن العالم واستقراره».
تلك «ثلاثية مرجعية» تصر على توصيف التشخيص الأردني لما يجري حالياً، واستقراء ما يمكن أن يجري مستقبلاً في إطار مستجدين في غاية الأهمية في الخطاب المرجعي الأردن هما:
أولاً، إسرائيل في القدس ولبنان والضفة «تستغل» الأحداث فعلاً، وينبغي التصدي لمشروعها هنا، والأداة المتاحة حتى الآن هي «حملة دولية».
وثانياً، ترديد عبارة لا تقف عن القول بأن «أمن الخليج جزء من الأمن القومي الأردني» بل تقول إن «أمن الخليج من أسس الأمن والاستقرار في العالم». تلك إشارة ينبغي وضع عدة خطوط تحتها لأنها قد تشكل مفصلاً في الخطاب العربي الرسمي بعد أحداث الحرب الأخيرة تحت عناوين عولمة مسألة أمن الخليج العربي.
في الأثناء، ثمة حديث أردني مرجعي عن «التضامن مع لبنان» يبرر اتصال رئيس الوزراء في عمان بنظيره اللبناني، وعرض أي مساعدة لأي احتياجات بعد المجزرة الإسرائيلية الأخيرة، ثم حديث عن دعم المملكة لـ «حرية الملاحة» في مضيق هرمز، وضرورة إسناد الحراك الباكستاني وصولاً لاتفاق دائم يعالج جميع القضايا والملفات.
نقاش الأربعاء في القصر الملكي الأردني له دلالته السياسية المهمة وغير المبهمة.

 

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading