Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
اراء و مقالات

فيضانات الأردن: حكومة «تحقق» مع نفسها!

الحكومة عندما أرادت حل مشكلة العبء المالي للبلديات التي تم تعيين لجانها تصرفت، لكنها امتنعت عن المساعدة عندما تعلق الأمر بمجالس بلدية منتخبة

حسنا فعل وزير الإدارة المحلية في الأردن عندما أعلن تشكيل لجنة تحقيق مرتبطة بتحديد ما إذا كان حصل تقصير إداري قبل مواجهة الفيضانات الأخيرة التي ألحقت ضررا كبيرا في بعض مدن وقرى وبلدات جنوبي المملكة وخصوصا مدينة الكرك.
طبعا الانطباع إداريا واضح هنا.
الرأي العام في حاجة إلى تفسير والانتقادات أفقية لجاهزية البنية التحتية.
والوزير وليد المصري أحد المخضرمين الخبراء وقراره تشكيل لجنة تحقيق لـ«الوقوف على أسباب ما حصل وتحديد المقصرين إذا كان التفسير موجودا».
يوحي القرار ضمنا بخلفية سياسية تريد حسم الجدل ونقل التجاذبات والملاحظات النقدية من مستوى الرأي العام ومنصات التداول إلى مستوى لجنة تحقيق فنية بيروقراطية، تضع تقريرها بين يدي المستوى السياسي بعد تصريح سابق للوزير ذاته لوح فيه بمحاسبة المقصرين. خطوة لا يمكن الاعتراض عليها.
التحقيق واجب وموضوعي ومطلوب.
لكن نلاحظ هنا أن التحقيق الذي تأمر به الحكومة يستهدف شريحة من الموظفين والأشخاص الذين عينتهم الحكومة ذاتها في مواقع إدارة مجالس بلدية على شكل لجان مؤقتة بعد حل جميع المجالس البلدية في المملكة.
الحكومة بمعنى أو آخر هنا تحقق مع موظفيها الذين اختارتهم وسط تقدير بأن ذاكرة الأردنيين قصيرة لأن هؤلاء الذين يأمر الوزير بالتحقيق معهم وصفوا عند تعيينهم بـ«أكثر كفاءة وخبرة ومهنية « من مجالس البلديات المنتخبة.
المعنى هنا: الحكومة مادامت تحقق مع من عينتهم بعد وصفهم بالأكثر خبرة تؤسس فرضية تحتاج للقياس والاختبار في النتيجة تتفحص تشخيص الحكومة وفهمها للفارق ما بين عضو المجلس البلدي المنتخب وشقيقه المعين. الدلالة هنا واضحة ومباشرة.
العضو المنتخب لو أخفق ولم يقم بواجبه يعاقبه الناخبون في الدورة الانتخابية التالية.
والناخبون لا يملكون محاسبة أو مساءلة من تعينهم الحكومة بعد إقصاء المنتخبين.. لذلك المرجح أن الحكومة تردع النقاشات بسيناريو التحقيق مع من اختارتهم وعينتهم.
لافت جدا أن هذا التجاذب الصاخب في المستوى البيروقراطي والإداري لا يقدم أدنى إجابة على سؤالين في ملف الإدارة المحلية.

الحكومة عندما أرادت حل مشكلة العبء المالي للبلديات التي تم تعيين لجانها تصرفت، لكنها امتنعت عن المساعدة عندما تعلق الأمر بمجالس بلدية منتخبة

السؤال الأول: لماذا حلت الحكومة أصلا جميع المجالس البلدية المنتخبة والمختلطة من حيث المبدأ وقبل عدة أشهر ووقت طويل من الانتخابات البلدية اللاحقة؟
السؤال الثاني: حسنا… قررت الحكومة إدارة البلديات بلجان مؤقتة… ما هي الأسس والمعايير التي اعتمدت في اختيار المعينين بدل المنتخبين؟
يمكن القول مسبقا بأن الإجابة على السؤالين غير متاحة ليس لأن متلقي الخدمة البلدية لا يفهم ما الذي يحصل، ولكن لأن الإجابة محرجة لعدة أطراف وتظهر قدرا من استسهال التوسع في تطبيق صلاحيات على حساب القيمة والمبدأ.
الخوف من التيار الإسلامي قد يكون هو السبب غير المباشر في قرار حل المجالس البلدية. لكن السلطات المختصة لا تريد الإجابة على سؤال ثالث أكثر تعقيدا: لماذا تراخت حكومات سابقة في جزئية مديونية المجالس البلدية والعجز المالي فيها، ثم قررت الحكومة الحالية فجأة حل المشكلة وفي كل بساطة مقابل شرط واحد هو إنهاء شرعية المجالس المنتخبة؟
هنا أيضا إجابة ملتبسة على سؤال افتراضي ينطوي على مقايضة غير مفهومة لأن الحكومة عندما أرادت حل مشكلة العبء المالي للبلديات التي تم تعيين لجانها تصرفت، لكنها امتنعت عن المساعدة عندما تعلق الأمر بمجالس بلدية منتخبة.
الرسالة هنا للمواطن غريبة: الحكومة تقول له إنها ستعاقبه إذا مارس حقه الانتخابي المضمون دستوريا وقانونيا.
لا نصدق بأن حكومة عاقلة راشدة تعلن أنها تمهد لانتخابات التمثيل المتعلقة بالإدارة المحلية تقدم على هذه المقايضة الخشنة. لكن الأسئلة تطيح في كل الإجابات الافتراضية في الواقع.
الأولويات في المجال البلدي عشوائية وغامضة وغير مفهومة وأحيانا اعتباطية. والمقايضات التي تحاول إثبات كفاءة التعيين قياسا بالانتخاب تمثل ثقافة سائدة وسط البيروقراطيين السياسيين، أوقفتها سابقا الحكمة المرجعية التي أصرت على دعم خيار الانتخابات في المجالس البلدية قبل أن توقف زحفها المنخفضات الجوية.
عموما وبدلا من بذل جهد تقول فيه الحكومة إنها تسمع أنين المواطن ولا يوجد ما يمنعها من التحقيق مع موظفيها، يمكن اختصار مساحات التجاذب بصيغة منطقية أكثر تقرر ما إذا كانت الدولة معنية أصلا بالانتخابات وتحمل كلفتها ونتائجها أم أنها معنية بالعودة إلى الدور الشمولي الذي ينتمي للماضي ولا تحترم فيه وعبره قيمة التمثيل والانتخابات.
لا نعتقد بأن انتخابات البلديات حاجة ملحة يجمع عليها الشعب الأردني.
وقد يصلح القول بأن صاحب الكفاءة المعين ينتج أكثر من المنتخب لكن على الحكومة أن تحدد لنا جميعا ما هي هويتها وما الذي تريده، ومن غير المعقول أن تنتخب مجالس لأغراض التنمية الاقتصادية ثم تحل وتستبدل بتعيينات قبل نحو عام من موعد الاقتراع في عهد حكومة تتحدث عن «التحديث الاقتصادي».

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading