محاضرة الرفاعي اليتيمة و«عقل الدولة» الأردنية: بعد الحرب.. ما الذي سيحصل وأين سنجلس؟

عمان ـ «القدس العربي»: «ميزة» المقاربة التي طرحها على الرأي العام رئيس الوزراء الأردني الأسبق سمير الرفاعي، تتمثل في أنها الوحيدة أو اليتيمة التي قدمت حوارياً للجمهور باسم رموز طبقة رجال الدولة في البلاد وجهة نظر تشخيصية أعمق، فيما شغف أسئلة الحرب وتقاطعاتها يرتقي إلى مستويات أوسع ونشطة وغير مسبوقة ودون تقديم إجابات على أهمها أو معظمها.
ما فهمه نخبة من السياسيين والإعلاميين والنشطاء من الرئيس الرفاعي، بحضور «القدس العربي»، في محاضرة بقيمة عميقة استضافها ونظمها معهد السياسة والمجتمع مساء الإثنين، هو أن تحديد الموقف السياسي والإجرائي من الحرب الدائرة الآن بين مشروعين، الأول إسرائيلي والآخر إيراني، يصبح عقلانياً إذا ما أدير الملف وطنياً بذهنية «الدولة وليس الانفعال».
خلاصة وجهة نظر الرفاعي تقول: لدى إيران مشروع سياسي، والخطاب الديني والمذهبي مجرد أدوات تستخدم هنا، أما إسرائيل في المقابل فلديها مشروع هيمنة ونفوذ في المنطقة لا أحد ينكره، وقد يكون الأخطر. والجغرافيا الأردنية ومعها العربية أحياناً، عالقة بين مشروعين كل منهما يزرع الوهم ويستند إلى أيديولوجيات دينية هي أقرب إلى تقنيات ووسائل، مما يزيد المشهد تعقيداً.
الرفاعي هنا تمكن من الميزة الأولى؛ فهو الوحيد الذي تحدث في الملف في ندوة عامة من أعضاء نادي رؤساء الحكومات وكبار رجال الدولة في سياق تحليلي وعلمي، فيما كثيرون ما زالوا في المراقبة والانتظار، ما يضفي قيمة مضافة على محاضرة في ظرف سياسي معقد.
مطلوب استفزاز ذهنية التشخيص والتحليل في الحد الأدنى مادامت الرواية الرسمية للموقع والموقف من وجبة الحرب الحالية غير واضحة وفيها قدر من الالتباس، وقد تكون منقوصة، كما لاحظ في النقاش والتعليق خلال الندوة الصحافي المخضرم نضال منصور.
مهم جداً في المقاربة الأردنية، الانتباه لما قاله المحاضر عن سياق إجرائي وتشخيصي للحرب لا بد من قراءته بعيداً عن الانفعال والمشاعر.
المساحة الوحيدة المتاحة هنا هي الانعزال عن نمطية الأجندة الشخصية في التحليل والموقف وإدارة مصالح الأردن الحيوية عبر تفكير على مستوى الدولة وليس الأجندات الفرعية.
تلك حقاً دعوة صريحة، وثمة ما يبررها من قبل نائب رئيس مجلس الأعيان الحالي على الأقل، للالتفاف حول الدولة والمؤسسات، خصوصاً أن الحرب حرجة وخطيرة، ونتائجها حساسة، فيما الرواية الإيرانية يصعب تقبلها أردنياً كما هي، خصوصاً في ظل الاعتداء الفيزيائي والصاروخي على الأرض الأردنية.
كل ذلك يقال أو لا يقال في المشهد السياسي الأردني. ورغم شروحات وتشخيص شخصية سياسية من وزن الرفاعي، لا يزال الانطباع متكدساً في منطقة السطر الناقص تحت لافتة «ما يطلبه الجمهور» في البلاد.
السطر الناقص هنا، حتى برأي محلل إستراتيجي وعسكري مخضرم مثل الفريق قاصد محمود، يتمثل في الإجابة عن السؤال الأهم: كيف نتصرف، وما الذي ينبغي لبلد مثل الأردن أن يفعله؟
طبعاً، الإجابة حمالة أوجه كالعادة.
مستوى الشحن الانفعالي العاطفي في تأييد موقف إيران في الحرب القائمة وصل إلى مستويات مقلقة لأي دولة تتعرض في الأثناء للقصف.
والحكومة لا تقدم رواية، وخطابها يركز على اللوجستيات والإجراءات البيروقراطية، وميكرفون الخطاب الإعلامي الرسمي ترك في حضن «مجموعة تصعيد» احترفت في مساحتين: الأولى، تصنيف الأردنيين في حال مساندة إيران ما بين الوطنية وعكسها، والولاء للدولة وعكسه. والأخرى تمثلت في التحذير فقط من مشروع التوسع الصفوي الفارسي الإيراني.
ذلك عملياً ما فعلته تلك الأقلام التي تزعم التحدث باسم الدولة وحساباتها.
لكن حتى السياسي والاقتصادي المخضرم الدكتور محمد حلايقة، يحذر هنا من أن مثل هذه البضاعة قد لا تجد مكاناً متقدماً في سوق المزايدات، علماً بأن ذاكرة الأردنيين لا تزال طرية وطازجة عندما يتعلق الأمر ليس فقط بالجرائم الدموية المرعبة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية وجنوب لبنان وقطاع غزة، ولكن أيضاً عندما يتعلق بمخاطر صريحة يقول الحلايقة وآخرون وحتى الرفاعي، بأن إنكارها لم يعد يقبل القسمة على اثنين؛ حيث التهجير والتوسع وضم الأغوار وضرب وتقويض الوصاية الأردنية في القدس والمسجد الأقصى.
هنا حصراً مهم جداً الانتباه للمقاربة العميقة التي قدمها رجل دولة مسؤول بحجم الرفاعي، ليس لأن محاضرته الوحيدة منذ اندلاع الحرب على مستوى النظراء هي التي أثارت النقاشات، ولكن لأن الباحث بصدق ومنهجية علمية عن الموقف الجذري لعقل الدولة الأردنية يمكنه الاسترشاد والاستدلال بتلك التشخيصات التي طرحها الرفاعي علناً.
والمعنى هنا أن المراقب إذا خطط للبحث عن كيفية تفكير الدولة العميقة في عمان بملف الحرب الحالية المرهق، قد لا يجد الكثير من المحتوى والمضامين، مما يعزز القناعة بالقيمة المضافة لما قاله الرفاعي.
الاستدلال هنا متاح للمهتمين وإن لم يكن بناء انطباعات عن موقف الدولة الحقيقي العملياتي بناء على محاضرة أو ندوة سلوكاً دقيقاً في الاستدلال وبناء نتائج، مما منح محاضرة الرفاعي باعتبارها حدثاً سياسياً محلياً قيمة مضافة جديدة، فكرتها هي القياس والمقاربة وبعض الاستكشافات؛ لأن شغف الشارع واضح وحاسم في فهم موقع وموقف عقل الدولة.
ليس من مهمة أي ندوة أو محاضرة الإجابة عن سؤال من طراز: كيف نتصرف وماذا نفعل؟
وفي التفاعلات النخبوية، من يتجرأ على التشخيص والتحليل من رموز طبقة رجال الدولة قد ينحصر واجبه في تسليط الضوء، ولو جزئياً، على سؤال مختلف هو: ما الذي يجري؟
هنا أيضاً لا بد من تأمل الواقع الموضوعي، فالبيانات والإفصاحات السيادية تبلغ الجمهور أمنياً بما يجري وفي ما يمكن إعلانه من تفاصيل عمليات التصدي للصواريخ والشظايا، ورئاسة الوزراء غائبة عن الجمهور، وأجهزة الإعلام المركزية التي تنطق باسم الموقف الرسمي إما مرتجفة ومترددة أو تركز على حظر التعاطف مع إيران.
في المقابل، النخب الكبيرة صامتة ولا تقدم لا تشخيصاً ولا تحليلاً، وخطاب الحكومة منشغل باللوجستيات والأصوات، ولا إشارات -رغم الدخول في محطة الشهر الثاني من حرب مؤثرة جداً تخلط الأوراق- لا على دور للبرلمان ولا على خطاب توعية وطني شامل، ولا على اجتماعات نخبوية تشاورية تنتهي بتقديم أي محتوى للناس.
يفهم العامة في الأردن الآن ما الذي يجري، والمواطنون يظهرون الامتنان للدفاع الجوي، والأجوبة على سؤال ما الذي يحصل متاحة في وسائل الإعلام.
لكن الإجابة غائبة عن سؤال الأردنيين المركزي حتى بعد المحاضرة ذات القيمة الرفيعة التي تقدم بها الرفاعي. في النهاية أو في الحلقة الأخيرة وبعد انتهاء مغامرة الحرب الحالية: أين سنجلس وما الذي سيحصل معنا نحن الأردنيين؟
