اراء و مقالات

مخاطر ديمونا.. «النووي الأردني» يشرح بعد «الدفاعي»: تحصين المعلومة أم استعداد لـ «أسوأ السيناريوهات»؟

عمان ـ «القدس العربي»: لا مبرر لقراءة الشروحات الفنية التي تقدم بها عبر وسائل الإعلام، ظهر الإثنين، رئيس هيئة الطاقة الذرية الأردنية الدكتور خالد طوقان، خارج نطاق الإجابة المباشرة ومن جهات الاختصاص على تساؤلات يطرحها المواطنون في الشارع، وكان من بين أبرزها الموقع والموقف الأردني، وحجم الضرر إذا ما حصلت مواجهة نووية بين إسرائيل وإيران.
قبل شروحات الدكتور طوقان الموصوف إعلامياً بأنه «أبو النووي الأردني السلمي» كانت المؤسسة العسكرية قد أجابت عن أسئلة الشارع عندما قدمت شروحات مفصلة لتقنيات الدفاع الجوي، وكيفية التصرف مع الأجسام الطائرة العدائية، أو التي تحاول استهداف الأراضي الأردنية أو انتهاك السيادة.
ويعني ذلك أن انضمام الذراع المعني بالمسألة النووية في أجهزة الدولة الأردنية للمنظومة العسكرية في الشرح والتفصيل، هو محصلة لقرارات سيادية وسياسية خلف الستائر اتخذت لرفع قيمة وصنف المعلومة التي تقدم للجمهور.
تلك خطوة خبيرة وعميقة وحكيمة في كل حال برأي الخبير الاستراتيجي والعسكري الفريق المتقاعد قاصد حمود؛ لأنها تساند مجهود الدولة وتنطوي على رسالة سياسية تضع بعض النقاط على حروف تهم المواطن.
هنا يمكن قراءة الإفصاحات من جهة الاختصاص السيادية من زاويتين على الأقل:
الأولى هي بالتأكيد تحصين بنية المعلومة الوطنية بدلاً من ترك الرأي العام نهباً للتكهنات أو للشائعات أو التأويلات، في جملة عملياتية مفيدة في السياق تساند ما ذكره الناطق الرسمي باسم الحكومة الوزير محمد المومني، الأسبوع الماضي، تحت عنوان أهمية التحوط من الشائعات والتسريبات، وجدارة الاستناد إلى الرواية الرسمية المحكمة، والحد من ظاهرة بروز عدد ضخم جداً من المحللين خصوصاً على الشبكة الافتراضية.
والزاوية الثانية قد تعود في جذرها إلى إدراك الدولة العميقة في الأردن الحاجة لوضع الشارع في الصورة قدر الإمكان، بسبب طبيعة الاحتمالات والسيناريوهات التي تثيرها الحرب الحالية، ومستوى التعقيدات الذي أنتجته خلافاً للمتغيرات الاستثنائية الناتجة عنها، حيث الفرصة متاحة ـ وفقاً لتشخيص الخبير السياسي البارز الدكتور جواد العناني ـ لتحول أي مستجد له علاقة بالحرب أو ينتج عنها إلى حزمة تحديات وطنية أردنية تستوجب التعمق والتأمل والبقاء في حالة بحث على مستوى مطبخ سياسي مركزي.
لذلك، يمكن بناء الفرضية التي تقول إن عدة أسباب جوهرية برزت في الأسبوع الأخير، وهو الخامس للحرب، ودفعت في اتجاه سياسة الإفصاح وتقديم شروحات للرأي العام، من الصنف الذي لا تفضل المؤسسات بالعادة التفاعل معه، الأمر الذي يعكس في جذره الأبعد والأعمق إحساساً متنامياً لدى مركز القرار الأردني بأن ما بعد هذه الحرب بصورة مؤكدة ليس مثل ما قبلها إقليمياً ووطنياً، وبأن الأولوية المطلقة هي النفاذ بمصالح الأردن الأساسية ـ في تقدير العناني ومحمود ـ قبل أي اعتبار آخر؛ بمعنى حماية الوطن والمواطن والتحرك في فضاء من الاتزان والرشد والعقلانية.
وعليه، يصبح الظهور النادر للدكتور طوقان ـ مستعرضاً ما وصفه بحقائق ووقائع علمية حتى الآن ـ خطوة وطنية في اتجاه إظهار الجاهزية ولفت النظر إلى أن مجسات الدولة تتابع وتستشعر وتقرأ كل السيناريوهات.
السيناريو المرتبط باحتمالية حصول تسرب إشعاعي وحصراً من مفاعل ديمونا الإسرائيلي في صحراء النقب جراء الحرب، هو الذي ناقشه الدكتور طوقان في رسالة بالصوت والصورة للأردنيين، متحدثاً عن حسابات دقيقة جداً عن احتمالات أجراها طاقم علماء هيئة الطاقة الذرية الأردنية.
المحتوى الذي عرضه للجمهور أبرز مسؤول نووي أردني، يفترض أن حصول تسرب إشعاعي من مفاعل ديمونا أمر صعب جداً وشبه مستحيل؛ لأن قلب المفاعل موجود على بعد 30 متراً تحت الأرض، واحتمالية التسرب الإشعاعي تكاد تكون غير منطقية علمياً.
أقرب نقطة في الحدود الأردنية لذلك المفاعل على بعد 25 كيلومتراً هوائياً، وفي أسوأ الاحتمالات ـ يقول الدكتور طوقان ـ إذا ما حصل تسرب في أسوأ الظروف وأعقدها، فما يلامس الحدود الأردنية سيكون طرف السحابة الإشعاعية؛ بسب فارق لا يزيد على 5 كيلومترات.
يعني ذلك أن منطقة محدودة جداً جنوبي الأردن قد تتعرض لطرف السحابة، وجميع المدن والبلدات لن تكون معرضة بأي حال وحتى لو استهدف قلب المفاعل. وفي أسوأ الاعتبارات، ثمة خطط بروتوكولية مدروسة شاملة للتصرف مع الإشعاع إن وصل أو وجد في حال التمكن أصلاً من ضرب قلب المفاعل.
ما قدمه طوقان من شروحات هو أمر جديد على الأردنيين في الواقع، لكنه يتميز بالشفافية والجرأة في رسم خارطة الأخطار المحتملة وضمن بروتوكولات هيئة الطاقة الذرية الأردنية.
لكن الأهم من تلك الشروحات التقنية والفنية أن الدكتور طوقان ـ وهو عالم معروف ووزير سابق للطاقة والتربية عدة مرات ـ حصل على ضوء أخطر سياسي لطمأنة الأردنيين، وهو ما يستدعي توقعات محسوبة عن مضي الدولة الأردنية قدماً في تفكيك الجزء المتعلق بالشائعات والتكهنات، ومحاولة تقديم رواية أكثر صلابة؛ لإظهار القدرة الإدارية على التفاعل مع أي تحديات أو أزمات تنتج عن الحرب الموصوفة بأنها «مجنونة».
قيمة الصراحة هنا في مستوى أذرع الدولة السيادية، هي إضافة نوعية في مواجهة مرحلة حساسة لا تقايسها ولا تقاربها خطابات رديئة على مستوى بعض الإعلاميين المقربين من السلطات، فيما الحالة الأردنية عموماً تدير أزمة وتداعيات الحرب ونتائجها على الاقتصاد الوطني، دفاعياً وإجرائياً، حتى الآن بسلاسة وبقدرات من الصعب إنكارها.

 

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading