اراء و مقالات

مستجد الأردن «وظيفة يتيمة» لـ «وادي عربة» الآن… والدولة تقرأ المخاطر بدون فرضية «نكون أو لا نكون»

عمان- «القدس العربي»: تشكيلة التعبئة الوطنية التي يمكن ضبطها ورصدها ضمن حزمة البرامج الإذاعية تحديداً في المحطات الرسمية وشبه الرسمية الأردنية تعكس انطباعاً مسبقاً بأن القلق من توترات الإقليم والقضية الفلسطينية ليس حكراً على الشارع وقواه وأصحاب الصوت العالي فيه.
الدولة أيضاً لديها مجسات وتقرأ المخاطر، وليس فقط قوى الشارع أو الحراك أو المعارضة، وقد تكون في صلب المعطيات المعلوماتية وليس التقديرية فقط، خلافاً للهتافات والميكروفونات واليافطات التي ترفع، بما في ذلك تلك التي تقول إن الأمور وصلت إلى مرحلة «نكون أو لا نكون».
والمعنى هنا سياسياً، أن الخطاب التعبوي الوطني الحريص وبعض الإجراءات البيروقراطية، خصوصاً تلك التي اتخذتها وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية فيما يخص الحسابات المنصاتية العابثة، تجدد حقاً الانطباع بأن الدولة تقرأ المعطيات، وهذا يعني أنها تشارك المواطنين القلق، لا بل تقرأ المخاطر سواء تلك التي يتحدث عنها ساسة معتدلون وخبراء من وزن رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري، أو تلك التي يتحدث عنها علناً في المهرجانات والتظاهرات المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين الشيخ مراد العضايلة.
لكن الفارق بين قراءتين؛ الأولى شعبية أو شعبوية، والثانية رسمية وتستقر في الدولة العميقة وتتمأسس بعد وجود بنية معلوماتية في سياق كيفية التصرف والرد.
لا أحد يفترض أو ينبغي أن يفترض ويطالب دوائر القرار الرسمي بالتصرف، خصوصاً إزاء المخاطر المجمع عليها كما تتصرف تيارات وأحزاب في الشارع، الأمر الذي يؤسس لحالة تتجاوز فيها الدولة معادلة «نكون أو لا نكون» بعد تراكم خبرة تمتد لأكثر من 100 عام ووجود أوراق قوة كامنة.
الخبير السياسي الاقتصادي المخضرم الدكتور جواد العناني، قال مبكراً لـ «القدس العربي» بأن ما يبدو منقوصاً بالنسبة للرأي العام هو وجود مطبخ سياسي يتصرف بناء على مقاربات وأولويات توفر الحماية الكاملة لمصالح الأردنيين شعباً ومؤسسات.
لا يبدو العناني قلقاً على وجود قدرة رسمية على التعامل مع المعطيات لا بل التطورات.
لكن ما يستعجل به الشارع وقواه هو إجراءات قد تلحق ضرراً في الحسابات الرسمية العميقة، وإن كانت توفر غطاء لردود فعل يطالب بها الجمهور مثل قطع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الإسرائيلي وإلغاء أو تجميد اتفاقية وادي عربة، أو الإسراع في سن تشريعات ضد التهجير ومعاهدة السلام تعيد الأردن وإسرائيل إلى مربع الخصومة والصراع في مرحلة ما قبل عام 1994، الأمر الذي يرى الخبير القانوني البارز الدكتور أنيس القاسم، مرحلياً، أنه قد يخدم أطماع ومشاريع اليمين الاسرائيلي في الواقع.
هنا حصراً رد رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان بصيغة كلاسيكية واضح أنها مع استمرار الجريمة الإسرائيلية ضد أهل غزة والضفة الغربية، لم تعد مقنعة للرأي العام، حيث اعتبر حسان عندما التقى نواب التيار الاسلامي أن اتفاقية وادي عربة هي التي تضمن لحكومته إيصال المساعدات وتقديم العون للشعب الفلسطيني.
تلك إشارة في غاية الأهمية، تعني بأن الدولة الأردنية طورت موقفها من وظيفة اتفاقية وادي عربة، حيث لم تعد تلك الوظيفة تكريس السلام أو حل الصراع في الجزء الأردني منه، بل أصبحت توفير قنوات دبلوماسية وأحياناً عسكرية وأمنية لإيصال المساعدات ما دام الشعب الفلسطيني يستهدفه الجميع.
وهي الوظيفة نفسها التي ألمح لها وزير الخارجية أيمن الصفدي عندما استفسرت منه «القدس العربي»، فأشار إلى أن طرد سفير وسحب آخر ووقف التطبيع، مسألة في غاية البساطة والسهولة، وإجراء سبق اتخاذه في اعتداءات إسرائيلية سابقة أقل شأناً.
لكن السؤال هو ما الذي تقدمه حقاً خطوة من هذا الصنف للشعب الفلسطيني في هذه المرحلة؟
يبدو سؤالاً نشطاً، وإن كانت المقاربة المتعلقة بتجميد العلاقات مع الكيان الإسرائيلي ووضع معاهدة السلام في الثلاجة بعدما علاها الغبار لا بل أصبحت مجرد ورقة حتى في وصف الوزير الصفدي العلني، تعالج مشكلة أردنية داخلية جزئياً. وهي تلك المرتبطة بمراعاة مشاعر الشارع؛ بمعنى أن خطوة من هذا الصنف لا تحدث فارقاً في العدوان الإسرائيلي وفقاً للحسابات المعقدة والمغلقة البعيدة عن متناول المواطن العادي.
يحاجج المسؤولون الكبار الذين تمكنت «القدس العربي» من التحدث مع بعضهم، بأن لدى اليمين الإسرائيلي برنامج أطماع لا يمكن إنكارها، وبعضها أطماع بتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردنيين، كما قال المصري مبكراً.
لكن الحسابات الدقيقة تشير إلى أن يمين تل أبيب في مرحلة «قنص» لأي خطوة أردنية يمكنه توظيفها والبناء عليها لـ «ضم الضفة الغربية والتهجير» أو تحويل مسألة الفلسطينيين إلى «أزمة سكان»، كما قال علناً وزير الخارجية الاسبق الدكتور مروان المعشر.
والمعنى هنا أن خطوات ضد العلاقات والتطبيع يمكن لليمين أن يستثمرها، فيما الشارع من الطبيعي أن لا تعجبه مثل هذه التفسيرات؛ لأن حجم الجرائم الإسرائيلية تخيف الأردنيين حقاً وفعلاً، لا بل تستهدفهم أيضاً، كما يرى البرلماني صالح العرموطي.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading