اراء و مقالات

ممنوع التصوير في الأردن.. لماذا؟ إجراءات أخرى «في الطريق» والحرب قد تطول وستصبح أكثر شراسة

عمان – «القدس العربي»: تقنياً، تبدو مهمة معقدة أو من الصنف الذي لا يمكن إنجازه بكفاءة ودقة وتكامل عندما يتعلق الأمر بالتعميم الذي أصدرته في وقت متأخر مساء الثلاثاء هيئة الإعلام الأردنية بعنوان «حظر النشر والتصوير فيما يتعلق بالمجهود الدفاعي».
عبارة ومساحة الحظر هنا واسعة النطاق، ويمكن أن تطال من دون تعريفات تقنية محددة كل ما له علاقة ليس فقط بالمجهود الدفاعي الذي يحظى بـ «إجماع وطني» ولكن العديد من مؤشرات التعبير والرأي.
سياسياً، الإجراء فيما يبدو «سياديا» وعابرا للهيئة المختصة بمراقبة التزام أذرع الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي المرخصة بالإجراءات القانونية.
مثل هذا القرار أصبح ضرورة ملحة للحسابات الرسمية في إطار النطاق العملياتي بعد ما اختبرت السلطات على مدار 4 أيام بروز ظاهرتين في غاية الحساسية.
الظاهرة الأولى تمثلت في سباق الأردنيين نحو الشظايا والصواريخ التي تسقط والتقاط الصور لها أو معها، ما يشكل خطورة برأي السلطات على المواطنين، ومساساً ببعض المقتضيات المهنية الأمنية التي تفترض بأن المقذوف الطائر بعد إسقاطه قد يحتوي على مواد سامة أو يبقى ملتهباً، ولا بد من فحصه في كل الأحوال على المستوى الهندسي العسكري وليس على أي مستوى مدني آخر.
هنا حصراً، برز بأن تنافس المواطنين في التصوير والنشر قد يشجعهم على التعاطي أكثر مع الشظايا والأجسام التي أصبحت الآن قابلة للزيادة في الأيام المقبلة.
الظاهرة الثانية تمثلت في أن ترك فضاء في التصوير والملاحقة والتعليق والاجتهادات العامة للمواطنين قد يؤسس لحالة تشويش ويسمح بعبور بعض الشائعات.
إضافة لذلك، تصدرت بعض الثغرات الإلكترونية التي تتصدر عبر الشبكة ويمكن استغلالها من قبل طرفي الصراع بصيغة تتقاطع أو تتعاكس مع الهدف الأساسي العميق والمعلن للدولة الأردنية في مرحلة الحرب، وهو «بقاء الأردن بعيداً عن محور الصراع وليس ساحة له».
ما يقال خلف الستائر الرسمية أن الكاميرات الفضولية للمواطنين قد تمس بالفكرة وتنهش السردية وتفتح المجال أمام اجتهادات دفاعية وتنشر صوراً غير ملائمة يتبعها إفتاء عسكري يفتقد للدقة.
حصلت عدة حوادث بالتأكيد تخللتها أو تضمنتها أخطاء وعثرات دفعت المستوى الرسمي للتفكير بإجراء تقرر أن تتكفل به هيئة الإعلام. وهو الإجراء المرتبط بحظر النشر والتصوير وحظر نشر أي مواد ذات بعد إعلامي أو شخصي عن العمليات الدفاعية ومن دون إذن مسبق في الشروحات قدمت بعضها صحيفة مدار الساعة الإلكترونية، التي تتميز بقدر كبير من المصداقية في المعلومات التي تنقلها.
ونقلت الصحيفة ذاتها عن مصدر رسمي مختص شرحاً مقتضباً يشير إلى أن قرار الحظر وتعميمه يشمل التقاط أي صور لفعاليات ذات بعد عسكري محترف والتسرع في الوصول إلى خلاصات لها علاقة بالجهد الدفاعي قبل صدور بيانات رسمية، خلافاً لنشر صور عن تحركات أي آليات.
الإجراء لفت الأنظار، ومناقشة هيئة الإعلام بخصوصه تقنياً وقانونياً لا معنى لها؛ لأنها جهة تنفيذ رغم رصد المخالفة القانونية الملموسة التي أشارت لها الحقوقية الناشطة هداية فريحات، وهي تحاول التذكير بأن «قرارات حظر النشر تصدر عن سلطات الادعاء والقضاء وليس عن الأجهزة الحكومية».
في ظل أجواء الحرب والاحتمالات التي يمكن أن تقود تداعياتها لها، لا مجال للاهتمام بالشكل القانوني لإجراءات إدارية.
القرارات التي تبدأ بمراقبة لصيقة للإعلام ولمنصات وصفحات التواصل لها هدف أعمق وأبعد يبدو أنه مرسوم على بيكار تقدير الموقف الأردني العميق لأزمة الصدام العسكري الحالية.
وهو تقدير يقر بأن الأزمة مفتوحة على الامتداد الإقليمي، وقد تكون طويلة، وقد تنتهي بنتائج كارثية على المنطقة.
أولوية الدولة العميقة في الأردن هو ما يقوله الملك عبد الله الثاني علناً في كل المناسبات عندما يصرح بأن «الأولوية أمن الأردن وأمن مواطنيه».
تلك عبارة ينبغي ألا تحتاج لكثير من الشرح خشية التورط – على رأي المحلل السياسي رامي العياصرة- بمسار «تنجيم سياسي» لا معنى له، أو «ترقيم» ليس من واجب الدولة التصرف على أساسه.
الأساس في جزئية «حظر النشر والتصوير» يصبح هنا بالعودة إلى «جذر تقدير الموقف» لأن المعطيات في الجيوسياسي عموماً بدأت تضرب وبقوة. والاحتياط ببعض الإجراءات واجب ما دامت الحرب ستطول وقد تصبح «أكثر شراسة».
الجديد في جزئية التعاطي الأردني الداخلي والإقليمي والسياسي مع المستجدات هو أن إيران وفي حمأة الدفاع عن نفسها، خلطت كل الأوراق بسلسلة من الاستهدافات العسكرية لعدة دول عربية، من بينها الأردن.
وهو ما دفع وزير الخارجية أيمن الصفدي عملياً لوصف تلك الاعتداءات بأنها غير مبررة.
إجراءات ضبط الرواية والسيطرة على «التواصل» وبعض التدابير ذات الصلة، برزت هنا بضرورة الاحتياجات المرحلية، لكن الوصول وبسرعة لمحطة «منع التصوير» مؤشر على أن مؤسسة العمق في القرار تتوقع السيناريو الأسوأ أو تستعد له، فيما تندفع القيادة للعمل بجهد دؤوب تحت عنوان خفض التصعيد.
سلسلة الإجراءات في الواقع هنا لا تقف عند قواعد تحاول فرضها هيئة الإعلام بموجب ما ترى أنها صلاحياتها القانونية، لكن تتجه نحو «حزمة سياسات وتوصيات استراتيجية» تستعد لحرب أطول بالتأكيد، بما في ذلك ملفات الأمن المائي والغذائي والطاقة والوضع الأمني الداخلي.
لذلك لا يمكن النظر للقرار الإجرائي الذي أصدرته هيئة الإعلام بحظر النشر والتصوير فيما يخص الجهد الدفاعي أثناء الحرب مع إيران باعتباره مجرد قرار إداري معزول عن سياق أعمق.
ملف الصراع يتدحرج. والأوضح أن المؤسسة الأردنية بدأت تستعد لمرحلة أصعب تقتضي ضبط الإيقاع في الداخل وترك المؤسسات السيادية في هوامش حرة من المناورة والتكتيك والمواجهة والاشتباك، ليس فقط بعيداً عن فضول كاميرات هواتف المواطنين، ولكن بعيداً أيضاً عن فضول وسائل الإعلام ذاتها، وتحرشات النخب السياسية وصالوناتها، والخطوات التالية في الطريق قد تكون باتت معروفة أو متوقعة.

 

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading