«مناسف فلولكلورية» لسفير أمريكا في الأردن بدون مفكرين وأحزاب ونقابات… أين خطاب «الإبادة والثوابت؟»

عمان ـ «القدس العربي»: مجدداً، قد لا يتعلق الأمر بـ «جولات مريبة» فقط سياسياً ودبلوماسياً يقوم بها السفير الأمريكي الجديد في الأردن جيم هولتسنايدر، وتثير جدلاً وتساؤلات دستورية وبرلمانية. وقد لا يتعلق بتنفيذ زيارات لدور عزاء أو قبول دعوات على مناسف في مواقع وأطراف مناطقية وعشائرية مختارة بعناية، بقدر ما يتعلق بمستوى «الاستجابة» التي تظهر عند بعض الوجهاء والمشايخ في أطراف العاصمة عمان، أو في بعض المحافظات مع سيل «مجاملات» لا تعكس «حقائق ووقائع» العلاقات الأمريكية – الأردنية الآن. لا بل تمتنع في جزئية مثيرة وغامضة عن تذكير «السفير الملتحي والجديد» لا بـ «ثوابت» الدولة الأردنية التي تقوضها المواقف الأمريكية أحياناً ومنذ أكثر من عامين، ولا بـ «ثوابت» الشعب الأردني ذاته في رفض «أي توطين أو تهجير» أو رفض «ابتزاز المملكة» لصالح الكيان الإسرائيلي، أو حتى التنديد بموقف الإدارة الأمريكية من «الإبادة المتواصلة» في غزة للشعب الفلسطيني.
مستوى القبول وأحياناً الاستعراض والتنافس في إظهار «مجاملات كرم الضيافة» من جهة بعض المشايخ والوجهاء، بدأ ذاته يثير التساؤلات بعيداً عن السفير وتطلعاته وأهدافه، حيث لقاءات واستقبالات «فولكلورية» أو «تراثية» تتشدق بـ «الصداقة الأمريكية الأردنية»، ويتخللها شرب القهوة العربية المرة، وأحياناً تناول المناسف دون أدنى إنعاش للذاكرة بخصوص «السردية الأردنية» بشقيها الشعبي والرسمي في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر للعام 2023.
لسبب غير مفهوم، لا يسمع السفير الأمريكي الجديد من مستقبليه المحليين بحفاوة كلاماً أو حديثاً أو موقفاً يعكس حقائق مواقف الأردنيين أو مشاعرهم ومخاوفهم من مخاطر اليمين الإسرائيلي، ما قد يبعث بـ «رسائل معاكسة» تجافي الحقائق للسيناريو الذي افترضه يوماً الكاتب السياسي محمد الصبيحي، عندما اقترح أن هولتسنايدر «بني الصورة مباشرة ولا يرغب بالالتزام بمن سبقه».
ولعل السبب -برأي الناشط السياسي محمد الحديد- أن هولتسنايدر يتجول في أروقة وجهاء محليين قد يحتفظون ببعض البساطة السياسية ويبحث بعضهم عن «صورة وإعلام وحزمة أضواء» ولديهم ميل فطري للمجاملة.
لكن السفير النشط لاحظ الجميع أنه يتجنب اللقاء بالأحزاب السياسية أو النشطاء النقابيين، أو حتى المعارضين وأصحاب الرأي أو المفكرين والمثقفين، كما يتجنب التحاور مع مؤسسات المجتمع المدني، حتى إن جولاته في المناطق وأوساط بعض العشائر دفعت مقاربات التواصل الاجتماعي لتشبيهه بـ «لورانس العرب» الشهير.
وعندما يتعلق الأمر بنشاطات السفير الأمريكي ومنصات التواصل، يمكن رصد عدة مشاهد أثارت جدلاً. أحدها وضع «رأسين من الأغنام» على منسف السفير لإظهار «كرم الاستضافة».. أما آخر فقدم له دعوة علنية على فيسبوك لزيارة مضارب عشيرته، وثالث أبلغه بخلفية قبيلته باعتبارها تحيط بعمان العاصمة، ورابع شوهد جالساً على الأرض مع ضيفه الأمريكي ويحتسيان مشروباً من «العشب البري».
تلك مشاهد غير مألوفة، يعيد الدبلوماسي المخضرم الدكتور، موسى بريزات، بروز الجدل حولها -كما فهمت «القدس العربي»- إلى «مواقف الولايات المتحدة السياسية في قياسات الشعب الأردني» من القضايا الملحة والأساسية خصوصاً القضية الفلسطينية.
السفراء الأجانب جميعاً في الأردن وغيره، يتحركون في أوساط المجتمع، وما يفعله هولتسنايدر يقوم به نظيراه البريطاني والصيني في عمان.
لكن الأمريكي يلفت الأنظار أكثر من غيره لسببين، برأي دبلوماسي أردني آخر تحدث لـ «القدس العربي» وتحتفظ باسمه هما: أولاً، بسبب اللحية الطويلة والمثيرة التي تلاحقها الكاميرات التي يحملها السفير هولتسنايدر على ذقنه. وثانياً، الظرف السياسي العام؛ حيث الأخير يمثل دولة عظمى تقصف إيران واليمن، وتساند الإبادة الإسرائيلية، وتستعرض عضلاتها في فنزويلا، وتهدد زعماء ودول، ما يجعل حركة هولتسنايدر في المجتمع الأردني المحلي منتجة للأخبار.
الانطباع الأخير يعبر عن قراءة قد تنطوي على «حسن نية» أو تفسير بيروقراطي يبتعد عن الشطط في التأويل.
لكن نشاطات هولتسنايدر في الواقع، تطال أطراف العاصمة وأوساطاً عشائرية بصيغة غير مسبوقة وأمام الكاميرات.
والأهم أن ما يتم تصويره وتوثيقه في تلك المناسبات التي لا معنى سياسياً لها يتعلق بأصول وتقاليد الضيافة الأردنية وبالمجاملات دون أدنى تركيز على الخطاب المضاد للسياسة الأمريكية، الذي يمكن أن يظهر بتوقيع مستضيفي ومجالسي السفير الأمريكي.
لا قرائن ولا فيديوهات تثبت بأن وجيهاً ما من مستقبلي الضيف الأمريكي خاطبه معاتباً أو معترضاً على تجاهل إدارته لـ «مصالح الأردن» أو على موقفها في دعم وإسناد خطط التوسع بتوقيع اليمين الإسرائيلي ووقف الإبادة وتجنب اتخاذ موقف حاسم ضد التهجير والضم في الضفة الغربية وغزة.
غياب «السردية الوطنية» الأردنية عن استقبالات من هذا الصنف هو المحطة التي تستوجب التقييم والتأمل حتى برأي البريزات وآخرون من الساسة المحليين، وتكرار توجيه سؤال دستوري عبر البرلمان لوزير الخارجية عن نشاطات سفير واشنطن المريبة قد يعني ضمناً بأن «جهة ما في مواقع القرار» بدأت تعترض هي الأخرى أو ترتاب.
الأهم بصورة استثنائية في قراءة الحديد، أن «حرارة الاستقبالات المحلية» لسفير واشنطن «قد لا تعكس» وقائع العلاقات الأمريكية- الأردنية حالياً على الأرض؛ فواشنطن تتحول من «صديق وحليف كبير» إلى «عبء حقيقي» على بلد مثل الأردن.
وواشنطن في رأي المحلل الاستراتيجي البارز الجنرال قاصد محمود، «لا تفعل الكثير» في طمأنة الأردن في مواجهة «الحصار الجيوسياسي» الذي ينفذه حالياً اليمين الإسرائيلي.
والاتصالات الخاصة التي بدأت تتفاعل مع روسيا والصين وحتى مع تركيا والهند والباكستان، تعكس بصورة «شبه مؤكدة» أن الولايات المتحدة لم تعد في ميزان المصالح الأردنية الأساسية في «موقعها القديم»، وضمن جزئيتين لا يستهان بهما، هما المظلة الاقتصادية والضمانات الأمنية الفعالة.
