اراء و مقالات

نخب انتهازية وشعبويات: «تشنجات نقاشية» بين الأردنيين حول صواريخ إيران والحكومة «تسكت»

عمان ـ «القدس العربي»: بعض نقاشات ما يفترض أنه يمثل طبقة النخبة الأردنية يتجه بصورة مؤسفة لمسارات لا تبدو «لائقة» عندما يتعلق الأمر بكيفية وآلية وتقنية توجيه خطاب للرأي العام يحاول قراءة الحرب القائمة، التي يتأثر فيها الأردن مثل غيره.
المقاربة التي سكتت السلطات عنها بعنوان «ميليشيات الإخوان تناصر نظام الملالي الإيراني» انتهت بمقاربة تناكفها بمبالغة موازية عنوانها «تسقطون الشظايا على رؤوس الأردنيين وتمنعون الصواريخ الإيرانية من إكمال مسيرتها لاستهداف الكيان».
كلتاهما مقاربتان شغلتا مؤخراً حيزاً متقدماً عبر منصات التواصل والتغريدات في «تشنج لا مبرر له».
شطط وتطرف واضح تماماً في المقولة التي حاولت تعداد «فوائد الحرب» مؤخراً، ومنها الادعاء بـ «اكتشاف وجود طابور خامس في البلاد».
تلك مقولة قابلها وبنفس منسوب الشطط «فيديو تواصلي» لأحد نواب جبهة العمل الإسلامي يشتكي من شظية سقطت في فناء منزله وهددت حياة أطفاله قبل الاستنتاج المبالغ فيه بالمقابل، والذي يغرد عملياً خارج النص الوطني العام بعنوان «تسقطون الشظايا على رؤوس المواطنين».
هذا النمط من الحوارات العلنية غير اللائقة تسكت عنه السلطات الحكومية.
ومع غياب سردية محكمة تجاه مسار الأحداث، تبدو وقائع المنازلة عبر منصات التواصل الاجتماعي مؤذية أكثر مما هي منتجة أو مفيدة، وفي ظرف إقليمي وطني حساس يحتاج قبل أي اعتبار آخر إلى توحيد القراءة والرؤية مع صفوف الأردنيين أنفسهم؛ حرصاً ـ كما يقدر السياسي الخبير الدكتور محمد الحلايقة ـ على الالتزام المنتج بتطبيق معادلة حماية «الأردن والأردنيون أولاً».
يفترض أن الظروف غير ملائمة؛ لا لاتهام التيار الإسلامي الأردني بتأييد النظام الإيراني حيث لا أدلة أو قرائن من أي صنف هنا، ولا للتشكيك بمشاعر واتجاهات الرأي العام التي لا تعارض قصف إسرائيل بالصواريخ الإيرانية، لا بل تعبر ولأسباب يفهمها الجميع في الواقع عن رغبة كامنة في أن تساهم صواريخ إيران في إضعاف اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يخطط ليلاً نهاراً وعلناً، كما يرى الناشط السياسي محمد الحديد لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن والأردنيين.
لا مبرر للتجاذب والاحتقان والتلاوم وتبادل الاتهامات ـ كما ينصح الحلايقة ـ في ظرف حساس ودقيق للغاية، وفي مواجهة تداعيات تأزيم عسكري احتمالاته مفتوحة.
وحدة النص الوطني عموماً هنا مطلب ملح وضروري جداً، وتزداد ضرورته في ظل أجواء الاحتقان الأمني والسيولة الاستراتيجية التي تعبر فيها المنطقة.
مؤخراً، وبعيداً عن النص الرسمي والموقف المعلن تحت عنوان النأي بالذات عن الصراع والحياد العملياتي حسب القدرات، يمكن رصد حالة نقاشية تجاذبية من الصنف الذي ينبغي تدخل السلطات لردعه ومنعه.
والسبب هو تلبية الاحتياجات الوطنية الملحة مدنية وأهلية الطابع من صنف احتواء آثار العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ثم احتواء ما يصفه وزير الخارجية أيمن الصفدي باعتداءات إيرانية غير مبررة على الأردن وعدة دول عربية.
الاستراتيجية الأردنية في الاشتباك مع الحرب وجذورها ونتائجها، تقود البوصلة في مسارين: الأول هو التركيز على العمل مع المجموعة العربية وزعماء العالم على صيغة ما لـ «خفض التصعيد». وهنا يمكن ملاحظة أن عمان في الواقع وبصرف النظر عن البيانات التي صدرت في استنكار استهداف الأراضي الأردنية ببعض الصواريخ إنما توجه عملياً إدانة ضمنية لمن افتعلوا الحرب ولا تعفيهم من مسؤوليات خفض التصعيد سواء أكانوا في واشنطن أو تل أبيب.
أما المسار الثاني فيتمثل دبلوماسياً بوضوح في انتهاج سياسة القرب من دول عربية أخرى بعنوان التنديد بإقحام المنطقة برمتها في الحرب الجديدة، سواء من الطرف المعتدي بداية، أو من الإيرانيين في الاستجابة والتأزيم.
تلك مسارات واضحة للرأي العام الأردني. ولا شكوك لدى المتناقشين أو المتداخلين بأن حماية الأجواء والأراضي الأردنية بالأداء النشط لأذرع الدفاع الجوي أمر لا خلاف عليه من حيث الشكل والمضمون، حيث يصفق الأردنيون لأداء رجالهم في المؤسسة العسكرية.
ولا أحد يناكف أو يعارض منطق حماية الأردن والأردنيين حتى بعد ظهور تباينات في التقييم والقراءة للحرب وجذرها ونتائجها.
ولا خلاف من أي صنف يمكن رصده على أن الشارع الأردني يعارض أي مساس بالأمن الوطني والحدودي الأردني.
في الوقت الذي تجذب فيه عناصر التوحيد والتوافق بين الدولة والمواطنين الرواية العامة حتى الآن، تظهر روايات مستقلة في الإعلام متشددة بين الحين والآخر من صنف يمكن الاستغناء عنه في وقت تصعيد عسكري.
بعض الاجتهادات خرجت في سياق السعي لقمع فكرة أن المزاج الشعبي الأردني يؤيد في الواقع ضرب إسرائيل.
شخصيات رسمية أو شبه رسمية تحمست قليلاً وهي تطرح مروحة من الاختيارات تبدأ من عند التبشير بسقوط النظام الإيراني وتمر من جهة الدعوة لمحاكمة وملاحقة من يؤيد صواريخ إيران، وتنتهي عند دعوات أكثر تطرفاً تقترح وجود طابور خامس في الأردن، أو توصي بسحب جنسيات من لهم رأي في الصراع.
جذر المشاعر والاتجاهات والمسارات شعبوياً هو حصراً الابتهاج، كما يقول الحديد، بإضعاف الكيان الإسرائيلي حتى وإن كان على يد دولة عليها تحفظات وملاحظات وسجلها طائفي في العراق وسوريا تحديداً.
الحوار بين الأردنيين يفترض أن يتجه نحو مسار راشد وعقلاني ومنطقي أكثر.
وحسابات الدولة وتوازناتها لا يطلب منها في كل الأحوال الانسجام مع الأهواء الشخصية.
العلاقة الدفاعية مع الولايات المتحدة ليست سراً، ولم تكن كذلك منذ عقود. والحياد العملياتي في الجو والأرض مبدأ مركزي لا يعارضه الجمهور، والالتزام الحرفي به مرتبط بالقدرات والحسابات العملية. ومستوى شكوك الدولة الأردنية بالإيرانيين لا ينافسه إلا يقينها اليوم بنوايا المتطرفين في الكيان الإسرائيلي.
لذلك، يمكن القول: حسابات المنطق المصلحي يفترض أن تُمنهج بعيداً عن الانتهازية في الإعلام.
الانتهازية المرفوضة هنا هي تلك التي تتهم أو توزع صكوك الوطنية باسم الدولة ومعها تلك التي تتحدث شعبوياً عن إسقاط الشظايا على رؤوس المواطنين.

 

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading