«نقل ومياه وعقارات»: مشاريع الأردن الجديدة في العام 2026… لماذا جددت «وزارة حسان» الرهان؟

عمان ـ «القدس العربي»: لا أحد في المستوى السياسي على الأقل يمكنه الاعتراض على خطط الحكومة الأردنية في اتجاه إقامة سلسلة من المشاريع التي توصف بأنها استراتيجية تحت لافتة التحديث والتنشيط الاقتصادي.
ولا أحد لا في الحكومة ولا على صعيد النخب المعنية بالملف الاقتصادي، يقبل فكرة التشكيك أو سيناريو وجود خلفيات سياسية غير واضحة لمشاريع استراتيجية جديدة يفترض أنها تلبي احتياجات ملحة جداً، قد يكون أهمها في قطاع أمن المياه والطاقة، خلافاً لشبكات النقل ذات السياق الإقليمي والنشاط العقاري.
وفي المقابل، ينتج التشكيك الذي بدأت تتبناه شخصيات لا شكوك في ولائها أصلاً ولا تتأثر بروايات شعبوية بالعادة، عن غياب أجوبة ملحة على أسئلة محددة.
حكومة الدكتور جعفر حسان، جددت في اجتماع وزاري خصص للملف الاقتصادي، مساء أمس أول الأحد، رهانها العلني على ما يسمى الآن بالمشاريع الاستراتيجية الرئيسية.
ورئيس الوزراء خاطب في الاجتماع الرأي العام بصورة مباشرة، مظهراً أن حكومته التي تتمسك بالتحديث الاقتصادي تراهن على المزيد من المؤشرات الاقتصادية النشطة في العام 2026، ملمحاً إلى حزمة مشاريع استراتيجية ستطرح عطاءاتها بقيمة قد تصل إلى 10 مليارات دينار على الأقل. الرقم ضخم وكبير على الاقتصاد الأردني في عام واحد فقط.
والسؤال الذي يردده جميع المختصين الخبراء وهم يلحون على مطالبة الحكومة المزيد من الشرح والتفصيل، هو ذلك الذي يقترح على الرئيس جعفر حسان: من أين ستأتي بتلك المليارات ذات السياق الاستثماري؟
يبدو سؤالاً هو الأصعب في الواقع، ليس فقط لأن نقصاً مرصوداً في المعطيات والمعلومات يمكن تلمسه أو لأن بعض الخبراء طرحوا ذلك السؤال، ولكن لأن بعض الأصوات السياسية ذات الخبرة العريضة بدأت تناور في منطقة أضيق بخصوص السؤال ذاته، وحصرا في الجزئية المتعلقة بتسييس محتمل، علماً بأن المشاريع التي تتحدث عنها حكومة حسان نوقشت مراراً وتكراراً في عهد حكومات سابقة، وقد تكون وزارة حسان هي فقط التي تجرأت على التنفيذ أو تتجرأ الآن في سياق شغفها بمغادرة الصندوق في التفكير والتخطيط الاقتصادي.
ما فعلته حكومة الدكتور حسان بسيط ومباشر في إظهار مسارها في التخطيط الاقتصادي مبكراً.
على هامش تقدم الحكومة بميزانية مالية متحفظة لسلطة البرلمان، حركت المخططات الأولى في عطاءات مشروع عقاري عملاق تقام بموجبه مدينة جديدة اسمها «عمرة» على أكتاف العاصمة عمان، واختير موقع المدينة على قطعة أرض ضخمة تعود ملكيتها بالكامل لخزينة الدولة.
قالت الحكومة في الأثناء، إن استراتيجيتها تتمثل في قطع شوط دون تردد للحفاظ على أمن المياه وطنياً عبر تحريك مشروع الناقل الوطني، فيما قدر خبير المياه البارز الدكتور دريد محاسنة في حديث سابق مع «القدس العربي» بأن الأمن المائي الآن أولوية وطنية مطلقة، خصوصاً بعد ممارسات الجار الإسرائيلي السيئ على مستوى الإقليم.
لاحقاً أيضاً، أعلنت الحكومة عن تجديد وتشغيل مطار قديم في العاصمة عمان سمي بمطار عمان الدولي.
ما يحتفي به رئيس الوزراء الآن في خطاباته تحت عنوان التمسك بخطة التحديث الاقتصادي هي تلك المشاريع التي ترفض الحكومة تسييسها أو التشكيك فيها تحت طائلة المساءلة القانونية، كما صرح الناطق باسم الحكومة الوزير محمد المومني.
والمستجد في خطاب رئيس الوزراء هو الربط بين تلك المشاريع والرهان على نمو اقتصادي وإنتاج المزيد من فرص العمل والتشغيل.
تلك طبعاً وعود في خطاب مكرر عن حكومات سابقة، أما الانطباع بعدما امتنعت الحكومة عن رفع رواتب القطاع العام ثم رفعت قليلاً أسعار خدمات المياه ضمن المسار المتدرج فهو أن المواطن الأردني عموماً ليس بصدد انعكاس النمو الاقتصادي الذي تتحدث عنه الحكومة على أوضاعه المعيشية المباشرة بعد.
هنا حصراً، لا تبدو الشراكة مع القطاع الخاص بالمستوى المطلوب لإنجاز معادلة في المشاريع الاقتصادية تتحسن معها الأحوال العامة.
والسؤال عن تمويل تلك المشاريع يثير غبار الجدل بين الحين والآخر.
لكن الانطباع عند خبراء مهنيين ومستقلين هو أن خطاب الحكومة في مسألة التمويل والاستثمار ذهب إلى منطقة محرجة.
الخبير الاقتصادي الدكتور أنور الخفش، كرر في نقاش مع «القدس العربي» السؤال: من أين سيجلب دولة رئيس الوزراء تلك المليارات؟
وجهة نظر الخفش وآخرين في الواقع، هي أن خطاب الحكومة في السياق ذهب بها إلى منطقة صعبة ومعقدة.
التأشير في الموقع إلى أن أي تلاعب لأغراض سياسية بالمؤشرات والأرقام قد لا يخدم لا الخطة ولا الحكومة. عضو البرلمان الشاب ينال فريحات، كان قد اتهم الخطاب الحكومي علناً باستعمال غير دقيق للغة الأرقام.
وما يقدره الخبير الدكتور الخفش، أن احتساب الناتج القومي بناء على قواعد يعرفها المختصون جميعاً في الحسابات الاقتصادية القومية ليست اختراعاً، والمسألة لا تتعلق بإعادة تقييم الناتج القومي لا بل باحتسابه بعيداً عن ثقافة الإنكار والتجاهل.
طروحات الحكومة، هنا برأي الخفش، قد لا تكون عملية.
المطلوب باختصار هو التحول فوراً بعيداً عن تشابكات الأرقام والمؤشرات إلى عملية اقتصادية وطنية، الحكومة ليست الطرف الوحيد فيها، ثم فتح نقاش عام يقود إلى وضع معالجات بدلاً من الاسترسال في التجربة والخطأ.
وما لا يقال عن مشاريع الحكومة الجديدة بعيداً عن اتهامات التسييس التي لا قرائن عليها، لا يتعلق فقط بالتمويل- وهو أمر صعب بإجماع المراقبين، بل يتسع لجهة مقاربات فيها نقص معلومات، أهمها أن الحكومة الحالية لا تبلغ الرأي العام بشفافية بالفوارق ما بين مشروعها الجديد في إقامة مدينة عقارية متطورة قياساً بالأسباب التي منعت 3 حكومات على الأقل في الماضي القريب من تنفيذ نفس المشروع. ويتسع أيضاً ليشمل سؤالاً عالقاً في ملف الناقل الوطني للمياه، فالرأي العام لا يعرف بعد لماذا امتنعت حكومة سابقة عن تنفيذ هذا المشروع تحديداً، وعلى أي أساس، فيما تحمست له فجأة حكومة لاحقة.
خطة وزارة حسان في المشاريع الاقتصادية الأساسية يجب ألا تخضع للتشكيك.
لكن واجب الحكومة في المقابل، هو المزيد من الشرح والتفصيل والرد باجتهاد لتوفير إجابة على كل الأسئلة المطروحة.
