«نهب أراضي الضفة»… الأردن يقرع طبل لندن وبرلين: ما مقاصد «التحذير الملكي» من تفاقم الصراع؟

عمان- «القدس العربي»: «الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة في الضفة الغربية التي تسعى إلى فرض السيادة على الأراضي، تقوض جهود التهدئة وتنذر بتفاقم الصراع».
هذه هي العبارة التي يمكن القول إنها تختصر تماماً الموقف الرسمي والسياسي والمرجعي الأردني عندما يتعلق الأمر بـ «تحديات ما يجري في الضفة الغربية المحتلة؛ لأنها تعبر عن «قراءة استشعارية أردنية» باتت متقدمة، وتمثل الرسالة الأهم التي تقدم بها العاهل الملك عبد الله الثاني على هامش زيارته إلى العاصمة البريطانية لندن.
الوقوف الأردني «الطارئ» على «محطة لندن» تحديداً، برز وسط تزايد قناعات المؤسسات في عمان بأن الانهيار وشيك في الضفة الغربية، ويشكل «التحدي الأول والأبرز والأخطر» على المملكة.
بعض الأقلام المقربة من السلطات في الأردن بدأت تنشر مقالات في سياق التحذير من «التحدي القادم».
ونقاشات «السردية الوطنية» في عمان زادت فعالياتها وحدتها تزامناً مع «التوقف عن إنكار» مخاطر خطط اليمين الإسرائيلي المعنية بـ «تقويض الوضع القائم» ليس في القدس فقط، ولكن في الضفة الغربية، حيث يصر السياسي والبرلماني المخضرم الدكتور ممدوح العبادي مجدداً في نقاش مع «القدس العربي»، على أن من لا يرى المخاطر أردنياً مرحلياً فهو مصاب بالعمى السياسي أو جاهل.
«الوضع قابل للتفاقم في المنطقة».. تلك كانت رسالة القيادة الأردنية التي وردت في ملخص «مباحثات لندن» حيث العاصمة الخلفية الأوروبية الخبيرة جداً في ملفات المنطقة، والشريك السياسي الذي يتميز بقدرته على التحدث مع «جميع الأطراف» بما في ذلك الإسرائيليون والأمريكيون.
لماذا اختارت عمان لندن حصراً لإبلاغ رسالتها علناً عن «سيناريو تفاقم الصراع»؟
سؤال مطروح بقوة الآن، وتفجر أردنياً بوضوح أكثر في الأسبوعين الماضيين بعد «حزمة» إجراءات قررها الكابنيت الإسرائيلي بخصوص «تسجيل الأراضي» في الضفة المحتلة، وتثبيتها في سجلات خزينة الاحتلال، ما يعني بيروقراطياً عدم الاعتراف إسرائيلياً بعد الآن ليس في «توثيقات دائرة الأراضي والمساحة « الأردنية، بل بسجلات «أملاك الغائب» الموثقة في عمان.
شرح مختصون أردنيون لدوائر القرار البريطانية على هامش الوقفة الملكية في لندن طوال الإثنين، ما الذي تعنيه لعبة تسجيل الأراضي الجديدة التي يخوضها اليمين الإسرائيلي ليس على الواقع الميداني في الضفة الغربية ولكن على الأردن والشرعية الفلسطينية ثم الإقليم.
لا أحد يعلم بعد «جواب لندن»، وما إذا كانت ستتحرك باعتبارها تمثل الدولة التي قدمت في الماضي أيام الانتداب البريطاني دعماً لأرشيف سجلات الأراضي في الضفتين بحكم مسؤولياتها «التاريخية» منذ عقود.
الاعتقاد بأن تركيز الأردن على «سيناريو تفاقم الصراع» هو المفتاح الذي تتبناه عمان لإطلاق أقصى طاقات التحذير بما يشمل -وهنا المفاجأة- تحول الأردن نفسه إلى مستويات الصراع مع إسرائيل الجديدة التي تسعى إلى «الهيمنة وإخضاع الجميع»، وهو التعبير الذي استعمله علناً وزير الخارجية أيمن الصفدي.
الصراع المباشر والمواجهة من منطق «الدفاع عن النفس» أصبح وارداً في ذهن الخيارات الأردنية مؤخراً، برأي الخبير الدكتور جواد العناني، الذي يقدر مجدداً عبر «القدس العربي» بأن «التعايش» مع خطط وتطلعات اليمين الإسرائيلي العدوانية أصبح أقرب إلى المشي على حافة الهاوية.
مجدداً، الوقفة على محطة لندن لا يمكن عزلها عن بحث الأردن عن «مصالحه» الأساسية والحيوية في ضوء مخاطر ما قرره الكابنيت الإسرائيلي بخصوص «تسجيل الأراضي».
ويفسر ذلك في الواقع مروحة اللقاءات التي أجراها الملك الأردني بكثافة ملموسة في لندن، حيث شملت أعضاء بارزين ومؤثرين في الدولة البريطانية العميقة وأركان الحكومة ورئيس الوزراء، وقد يكون الأهم الانتباه إلى أن الوفد الأردني التقى رئيس أركان الدفاع البريطاني الفريق أول جوي السير ريتشارد نايتون، وبحضور نظيره الأردني الجنرال يوسف حنيطي.
هذا النمط من المشاورات مع مراكز القرار في لندن هو أقرب إلى صيغة وضع الوقائع والحقائق والتصورات الأردنية بصراحة بين يدي القرار البريطاني في المسار «الدفاعي – الأمني» أيضاً وليس السياسي فقط.
لكن العزلة هنا وبالمدلول السياسي، لا يوازيها أي توجه بريطاني واضح بعيداً عن كلاسيكيات الخطاب الرسمي للعاصمة لندن، فيما لا تملك عمان ترف الانتظار أكثر أو التعايش في ظل التقييمات الخطرة داخلياً لما بعد مرحلة «نهب وسرقة أراضي الضفة» على النحو الذي قرره مجلس وزراء تل أبيب المصغر.
وهنا لا يتعلق المشهد بتكرار موقف أردني مبدئي حتى على مستوى المؤسسة الملكية بقدر ما يرتبط بالتقاط ما هو جوهري في رسائله عندما يغادر الملك عبد الله الثاني عمان إلى العاصمة البريطانية لندن، ويكرر هذا الموقف الأردني، ويحذر من التداعيات في وجه نخبة عريضة من كبار الساسة وصناعها في مقر الحكم البريطاني.
وهنا تبرز أهمية إكمال المشاورات الأردنية مع لاعب آخر مهم وأساسي في معادلة «الحرص الشديد على أمن الأردن واستقراره» تمثله برلين، حيث الجانب الألماني مهتم جداً بالإصغاء لملاحظات عمان وتطلعاتها لتجاوز تداعيات ما يقرره ويفعله الإسرائيليون.
وفي الخلاصة السياسية، برأي العبادي، لا بد من «قرع طبل» بعض اللاعبين الكبار في المعسكر الغربي.
قرع الطبل أردنياً أمام النخبة الحاكمة والعميقة في المؤسسة البريطانية ولاحقاً في الألمانية خطوة في اتجاه تعزيز ثوابت الموقف الأردني.
لكنها بالتوازي، وفي فهم محللين سياسيين متعددين، خطوة تظهر سعي عمان لتحميل كبار اللاعبين في المنطقة مسؤولية الصمت والتواطؤ مع اليمين الإسرائيلي، خصوصاً أن الجانب الأردني طالب المملكة المتحدة بالقيام بجهودها لاستعادة الاستقرار، وحذر من تفاقم الصراع.
