اراء و مقالات

الحاضنة الأردنية الشعبية المناصرة للمقاومة تتوسع وتتصدى لمعادلة «التكيف» مع الواقع والقرار السياسي

خفايا «دافوس» والاستنتاج الأهم… وما علاقة «الترجمة السيئة» لتصريحات الصفدي؟

عمان – «القدس العربي»: أغلب التقدير أن وزير الخارجية الأردني، دفع سياسياً و»منصاتيا» خلال اليومين الماضيين كلفة «احتكاك» مفترض بـ»عقل واتجاهات» الحاضنة الشعبية العريضة للمقاومة الفلسطينية في الواقع الاجتماعي، والتي لا تقف عند حدود «الرد والاعتراض والمساجلة» بل تعبر نحو مسار «مراقبة كل حرف وكل كلمة» في مواقف المسؤولين الحكوميين.
ما حصل من ردود فعل «غاضبة ومحتقنة» وأحياناً «انفعالية ومتسرعة» مع الوزير أيمن الصفدي، لا يثبت فقط جزئية وجود «جهات وجبهات» في الداخل والخارج تترصد وزير الخارجية الذي ظهر عملياً بعد «7 أكتوبر» في حالة اشتباك مباشرة مع «السردية الإسرائيلية»، بل يثبت بالتوازي أن «المزاج الشعبي» الأردني «لم يعد يقبل القسمة على اثنين» في ملف «المقاومة».
وما حصل أن الذهنية الجمعية للأردنيين دخلت في سياق المقارنات التي تفترض بأن «السلام والتكيف» مع الإسرائيليين والأمريكيين «لا يوفر الضمانات الكافية بعد الآن» لمنع أو ردع انتقال عمليات الاعتداء والتهديم والقتل من شوارع جباليا في غزة أو أحياء جنين، إلى شوارع عمان.

دلالات الهجمة على الصفدي

هنا وفي مسار السياق الأخير لا بد من قراءة معمقة لـ»دلالات» الهجمة المحلية التي استهدفت وزير الخارجية ولو بناء على «ترجمة مغلوطة» أو تعوزها الدقة لما نقل على لسان الوزير أيمن الصفدي خلال جلسة حوارية نظمت في «دافوس».
الوزير نفسه شرح لـ»القدس العربي» ما حصل في دافوس، وقدم أدلة على أن نقل الترجمة غير الدقيقة «تغميس خارج الطبق». لكن ما حصل بعيداً عن شروحات الصفدي التي عرضها «القدس العربي» بتقرير سابق وعن وقائع ما حصل في دافوس، لا بد من التوقف بعمق عند طبيعة وتركيبة وهوية «ردة فعل الشارع» على رواية منقولة وصفت -عبر ترجمة غير دقيقة- المقاومة الفلسطينية بأنها «ميليشيات مسلحة».
واضح أن مزاج الشارع الأردني قرر مسبقاً ألا يقرأ ولا يسمع أي «شرح رسمي أو بيروقراطي»، واتجه منفعلاً لـ»حماية فصائل المقاومة» وسردية «حركة حماس» تحديداً من أي محاولة استباقية لتطوير موقف رسمي مضاد لخيارات المقاومة، وأيضاً – وهذا مهم – لتطوير موقف شعبي يتوقف عن اعتبار السلطة الوطنية هي عنوان «الشرعية الفلسطينية».

خفايا «دافوس» والاستنتاج الأهم… وما علاقة «الترجمة السيئة» لتصريحات الصفدي؟

أي قراءة لتعليقات آلاف الأردنيين على حوارية الصفدي في دافوس تثبت بأن عناوين الشرعية بالنسبة للمزاج الشعبي أصبحت محصورة في «صف المقاومة» ولا تقر بشرعية السلطة. وهذا «مستجد سياسي» في غاية الأهمية، يبقي «شرعية السلطة الفلسطينية» في «الرف الحكومي» فقط شعبياً بعدما كانت الخيارات نصفية، بمعنى نصف الرأي العام الأردني مع المقاومة، والنصف الثاني مع السلطة.
تلك التعليقات «المنصاتية» التي أعقبتها «بيانات ومقالات» ثم تنديدات يطالب بعضها حتى باستقالة وزير «لم يخطئ عملياً» بقدر ما حاول «مخاطبة غرائز الباحثين الغربيين» فقط وباللغة الإنجليزية، تثبت وجوب ما يستوجب التعمق في الاستدلال بخصوص «مزاج وانحيازات الشعب الأردني». يزيد ما تفعله السلطة في مخيم جنين من حدة الموقف الشعبي الأردني باتجاه التضامن مع المقاومة.
وذلك يعني أن معادلة «التكيف» قد تصبح «أصعب وأكثر تعقيداً» وتنطوي على كلف وفواتير، حتى وإن كان العنوان السياسي لاحقاً «محاولات التأثير» بإدارة الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، أو تحت ستار «تجنب المجازفة بالمستقبل».
لا يتعلق الأمر الآن شعبياً بنحو 20% من أصوات ناخبين أردنيين في مناطق ثقل العشائر صوتت عملياً لـ «غزة وطوفان الأقصى» في الانتخابات البرلمانية الأخيرة بقدر ما يتعلق بـ»دخول قوي وصلب للحاضنة الشعبية المناصرة للمقاومة على معادلة الواقع والقرار السياسي» في بلاد خلطت – وهو ما يقر به الدكتور جواد العناني- جريمة الإبادة الإسرائيلية ضد أهل غزة كل أوراقها.
مستوى الهجوم الانفعالي والمنظم على وزير الخارجية حتى بسبب «ترجمة سيئة» لما قاله في دافوس، يثبت أن الحاضنة التي تخشى إسرائيل وترفض التسليم بالسلام معها، وتميل للمقاومة أشرس مما يتوقعه كثيرون، لا بل لديها جاهزية للرد والاشتباك مع كل روايات التكيف، الأمر الذي ينبغي للقرار السياسي أن يحسب حسابه بمهنية وكفاءة بعد الآن؛ لأن المطلوب أردنياً «توحيد الصفوف» والوقوف خلف رواية موحدة في الملف الفلسطيني الحساس.
لذلك، وبعد ورود «ترجمة متسرعة» بعنوان ينقل عن حوارات دافوس تصوراً يحاول إحياء دور السلطة وينتقد «سلاح المقاومة»، تحركت فعاليات شعبوية بالجملة في مسار التنديد والاعتراض رغم أن الأردن الرسمي لا يتحدث إطلاقاً بلهجتين في المسألة الفلسطينية.

«قاتل واشتبك واستشهد»

وفي المحتوى والمضمون تحذير لجميع المسؤولين بأن عنوان الشرعية الفلسطينية بعد الآن من «قاتل واشتبك واستشهد»، وليس من «ينسق أمنياً» مع العدو.
وردت تلك الرسائل في أكثر من 30 منشوراً إلكترونياً أحصتها «القدس العربي» في بعض المنصات النشطة، الأمر الذي يعني أو «قد يعني» لاحقاً الكثير في حسابات بيادر التكيف والاحتواء، خصوصاً أن الاعتداءات الإسرائيلية وتهجير أهل مخيم جنين ونقل سكانه بمعنى إلغاء وجوده، إنما هي إشارة لا تساعد الشعب الأردني على فهم مبررات أي تكيف وحتى مسوغات الحفاظ على لهجة «الشرعية الفلسطينية» كما كانت قبل 7 أكتوبر.
ما تقدم به الرأي العام الأردني في الرفض الجذري الصاخب لأي صيغة تعتبر فصائل المقاومة «خارج الشرعية» بعد أحداث غزة، هو «إطار متقدم»، برأي سياسي أردني رفيع المستوى تحدث لـ «القدس العربي» يظهر صعوبة مسار تسويق السلام والتطبيع والتكيف، وينطوي – وهذا أهم بكثير- على جرس إنذار ينبغي للسلطات أن تقرعه حتى لا ينتقل «فيروس الانقسام الفلسطيني» إلى العمق الاجتماعي ويعبر نهر الأردن.
الأردنيون يتبرعون إلى غزة الآن، وتظاهراتهم تهتف لرموز المقاومة، ومزاجهم الحاد لم يعد يحتمل حتى «مجاملات دبلوماسية» للغرب ولو تحت عنوان «تفكيك السردية الإسرائيلية»، وحاضنة المقاومة الشعبية لا تقتصر على التيار الإسلامي، بل تسللت بسبب ممارسات إسرائيل في غزة وجرائمها إلى النخب والصالونات والعشائر وكل المكونات الاجتماعية. تلك وقائع لا بد من الانتباه لها مبكراً.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading