اراء و مقالات

الأردن وإيران: «طلاق صامت» ومراوحة بين «الرف الأمني» والسياسي… والبيض في «سلة الكاظمي»

عمان – «القدس العربي» : لا يزال الحديث عن أي خطوة في اتجاه التطبيع مع إيران تحديداً مستقراً في المنطقة المحرمة أردنياً بالرغم من الحاجة الملحة للسوق العراقية ومن كل الأدبيات التي ترافق مشروع التكامل الثلاثي بين مصر والأردن والعراق، الذي خفت حدة التحدث عنه قليلاً بالتزامن مع ارتفاع وتيرة النقاش والتجاذب في عمق المعادلة العراقية تحت وطأة حسابات الانتخابات الغامضة الأخيرة.
ولايزال أي تقارب من أي صنف مع إيران يعدّ من الخطوط الأردنية الحمراء بالرغم من أن دائرة الحلفاء والأصدقاء العرب التي يمتنع الأردن من أجلها عن تحقيق تقدم في العلاقات مع طهران تلامس الإيرانيين بين الحين والآخر، فدول الخليج عموماً تجري اتصالات مع الإيرانيين ومشاورات بين الحين والآخر.
وعمان في الأثناء تصر على التمسك بقرارها القاضي بعدم إرسال وتسمية سفير إلى العاصمة الإيرانية، متجاهلة نصيحة قديمة لرئيس الوزراء الأسبق الدكتور نوري المالكي، الذي قال بوضوح قبل سنوات للأردنيين، وتحديداً في مكتب رئيس الوزراء الأسبق عبد الله النسور، بأنه منفتح على كل فرص التشاور والتعاون، لكنه في «الكوريدور» الجانبي في رئاسة الوزراء كان يخبر الأردنيين بأنه لن يقدم لهم أي شيء من أي نوع قبل تحقيق تقدم في انفتاحهم مع الإيرانيين.
رحل المالكي ورحل معه الطاقم التأزيمي في العلاقات مع الأردن لصالح الأجندة الإيرانية، لكن بقيت الاتصالات مع الإيرانيين شبه جامدة ودون أي مستوى معتدل في العلاقة بين دولتين، مما حافظ على سر اللغز أردنياً، وهو بقاء التواصل مع الإيرانيين ضمن معطيات الخطوط الحمراء. وهو وضع ينبغي أن يتغير، برأي المحلل والمراقب السياسي والاقتصادي المختص الدكتور أنور الخفش، الذي اقترح مبكراً عبر «القدس العربي» معادلة تنويع دبلوماسية أردنية قدر بأنها ممكنة ولا تنطوي على خسائر إذا ما حسبت بدقة وفي سياق الإعلاء من قيمة تبادل المنافع والمصالح، لا بل أيضاً في سياق الاستثمار الديني والعودة إلى صياغة شرعية عمان في إطار توحيد كلمة المسلمين في الإقليم والمنطقة والعالم.
نصائح الخفش لا تجد من يصغى إليها في جدار الحكومة الأردنية، والسبب يعرفه الجميع؛ فالعلاقات مع إيران في الملف الأمني وليس السياسي أو الدبلوماسي، رغم أن مشاريع حيوية جداً للاقتصاد الأردني مرتبطة بالمعادلة العراقية التي يعرف الجميع أن طهران تتحكم في معظم تفاصيلها.
والحديث هنا عن مشروع أنبوب نقل النفط المعطل منذ سنوات، وعن الاستثمار برئيس الوزراء الحالي الدكتور مصطفى الكاظمي ومشروعه، وأيضاً عن مشروع نقل الكهرباء الأردني عبر الأراضي السورية إلى لبنان.
يمكن ببساطة ملاحظة أن كل تلك الاحتياجات الأردنية الملحة لم تسهم بعد في نقل ملف العلاقات والاتصالات مع الإيرانيين من الرف الأمني إلى الرف السياسي، ومن المرجح أن خطوة التقارب الكبيرة مع الرئيس السوري بشار الأسد والقصر الجمهوري السوري مؤخراً، يصر بعض الساسة والموظفين الأردنيين على قراءتها في سياق تقريب سوريا إلى الحضن العربي، وإبعادها أكثر عن الإيرانيين؛ وهي قراءة لا تبدو واقعية أو محترفة، بتقدير المحلل السياسي الدكتور عامر السبايلة، ليس فقط لأن إيران قوة واقعية في الإقليم والمنطقة وأساسية يضطر الجميع للتعامل معها، لكن أيضاً لأن الهوامش عند دولة مثل الأردن ينبغي أن تستثمر وتستغل.
لكن ذلك لا يحصل بعد، والسبب غامض بالرغم من اختبارات صغيرة برزت مؤخراً، مثل تسريب نوايا عن تنشيط زيارة المقامات والأضرحة والسياحة الدينية الشيعية في جنوب الأردن، أو مثل السماح لـ 50 تاجراً إيرانياً بإقامة معرض منتجات صغير لهم في عمان، والمطلوب -برأي الخفش والسبايلة معاً- خطوات محسوبة أكثر من ذلك، تتميز بالجرأة وإظهار القدرة على تقدير الذات والاشتباك والاقتحام مع دول إقليمية مهمة، مثل إيران وتركيا، دون تردد، وبتوازن، وتوقف دبلوماسية الإقامة في المخاوف فقط.
يضع الأردنيون، في المقابل، بيضهم السياسي في سلة الدكتور الكاظمي رهاناً عليه وعلى مشروعه وبسبب علاقات تعاون قديمة لهم معه عندما كان مديراً للمخابرات، لكن التقارير التقييمية الواردة لغرفة القرار الأردنية حتى الآن لا تبدو متيقنة من أن الكتلة الصدرية تحديداً التي تصدرت الانتخابات الأخيرة حاسمة في مسألة الاستثمار في الكاظمي، مع أنها كتلة قد يتغير مزاجها هنا وهناك.
الغريب في الدبلوماسية الأردنية أن الكاظمي وقد تحول إلى مشروع أردني، يتسلل إلى الدولة العميقة في إيران ويجري توازنات وتفاهمات وتكتيكات بين الحين والآخر، فيما يقيم الشريك المصري اتصالات مغلقة مع الإيرانيين.
وفي الوقت نفسه، تستسلم عمان للمخاوف وتحافظ على قواعد العمل القديمة التي تعتبر التواصل مع طهران مجازفة أمنية كبرى وكلفة من الصعب تحملها، مع أن حالة الطلاق الصامت بين عمان وطهران لم ينتج عنها أي مكاسب أو فوائد حقيقية لا مع دولة شقيقة، ولا حليفة مثل بعض دول الخليج حيث العلاقات في أسوأ مواسمها، ولا مع حكومة اليمين الإسرائيلي الجديد التي تفاعلت مع صفقة بيع المياه للأردن لكنها تتحرش يومياً بوصايته على القدس والمسجد الأقصى وتتوسع في المستوطنات.
سمعت «القدس العربي» مرات عدة، رئيس وزراء الأردن الدكتور بشر الخصاونة يتحدث عن إدارة مصالح بلاده السياسية بعيداً عن الأوهام. لكن على مستوى الاشتباك في الملف الإيراني لا يمكن التمييز بين الأوهام والمخاوف الحقيقية الواقعية، مما يبقي انفتاح الأردن على السوق العراقية تحديداً مسألة في غاية التعقيد، لا بل قد تكون أسيرة لمعادلات الإيرانيين في العمق العراقي.
الكاظمي مثلاً يمكنه أن يضحي أو يقلص من التشبيك مع الأردن من أجل صفقة في أي وقت مع الإيرانيين، وكذلك التيار الصدري وغيره أصحاب العمائم، الذين يعزفون على وتر آل البيت والأردن بين الحين والآخر.
ذلك لا يعني إلا مؤشراً سياسياً ملموساً على شبه يقين في مؤسسات الدولة الأردنية، بأن المصالح في السوق العراقية -وهي مهمة جدا بالمناسبة وأساسية- مرهونة بطي صفحة الطلاق الصامت مع الإيرانيين على نحو أو آخر.
رغم ذلك اليقين، لا يقدم وزير الخارجية الأردني النشط والفهيم أيمن الصفدي على خطوة بسيطة طالب فيها الإيرانيين مراراً وتكراراً، وعنوانها إرسال وتسمية سفير بالحد الأدنى، الأمر الذي يعني بأن الملف الإيراني مازال في العمق في إطار الحساب الأمني الذي يضع الأمن الأردني كأولوية مطلقة.
مدرستان في الإدارة الأردنية تتفاعلان طوال الوقت في المسألة الإيرانية، وتُحسم الأمور حتى اللحظة لصالح تلك التي تؤمن بالتحفظ وعدم الانفتاح.
المدرسة الأولى هي تلك التي تقول بالانفتاح على الإيرانيين، وإقامة علاقات مدروسة ومتدرجة معهم، والاستثمار في السوق العراقية بالتوازي، ثم مراقبة نتائج الانفتاح عليهم بالاحتراف الأمني المعهود.. تلك المدرسة التي تخفق حتى اللحظة في فرض وجهة نظرها.
والمدرسة الأخرى معروفة بالتحفظ الشديد والحرص على بقاء العلاقات مع إيران حبيسة لحسابات مغرقة في التنظيم الأمني.. وهي التي تحظى بالسبق حتى الآن.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى