الأردن ما بعد «التحديث»… أين الرؤية؟
بعد أول منعطف في مسار التحديث السياسي بتنا أمام مشهد تسخر فيه «مؤسسات بيروقراطية» بالجملة من التحديث

القوم في أغلبهم في عمان متفقون على أن «استراتيجية التحديث» السياسي والاقتصادي أصبحت في حاجة ملحة لـ«عملية تحديث إضافية وسريعة» تحافظ عليها بعيدا عن «القرار السياسي».
إذا كان الأمر كذلك الآن وفي ظل تحديات معلومة للقاصي والداني يصبح السؤال: بأي مسار يتوجب أن تتجه بوصلة القرار السياسي ما دامت الأطراف المعنية في الدولة والمجتمع متيقنة من وجوب «حماية التحديث».
التحديث الذي عبرت عنه «وثائق مرجعية وطنية» حظيت بالتوافق لم يكن «وصفة قل نظيرها» ولا تعبيرا عن الإصلاح الشامل الملح بل مساحة «اتفق عليها» عموما تشكل الحد المنطقي المقبول للجميع في اتجاه المستقبل، الأمر الذي يعبر عن قيمة مضافة أساسية لا يستهان بها في حزمة نصوص ووثائق وتعديلات تشريعية تستحق الدفاع عنها.
لا زلنا نذكر أيام «اللجنة الملكية للتحديث السياسي» وخيم الحوارات التي أنجزت وثيقة التحديث الاقتصادي عندما ناقش الشيوعي مع الإخواني والحزبي والنقابي والوزير والبيروقراطي والأمني كل القضايا والملفات وبصراحة ومسؤولية.
لا زلنا نذكر المسؤول المهم والبارز الذي التقى مجموعة صحافيين مبلغا بأن المنظومة الأمنية «تدعم وتوافق» المخرجات والتوصيات بعدما حصلت على «الضمانات» التي تريدها خصوصا في ملف منهجية العمل الحزبي.
نذكر أيضا كيف تجول رموز حوارات التحديث بين محافظات الأردنيين وتجمعاتهم مبشرين بـ«مرحلة جديدة لا أحد يستطيع معارضتها» لأنها نتاج توافق جميع اللاعبين بدون استثناء.
ونذكر كيف تسلل منتجو الحوار إلى مواقع القرار الوزاري فيما كان ألد خصوم الإسلاميين تحديدا في الدولة يصيح بالجميع:» حسنا… اتفقنا علينا أن نمضي للأمام بعيدا عن فوبيا من أي تيار».
ودوما نذكر كل الخطابات المرجعية التي قالت بوضوح للمواطنين بأن مسارات التحديث هي «المستقبل» والمطلوب من الجميع فهم ذلك والتعاطي والتجاوب معه.
كاتب هذه السطور شخصيا وفي أيام الهوس بالتحديث هاجمه بقسوة أحد أبرز رموز الحركة الإسلامية في جلسة خاصة عند الاستفسار عن «الشاهد المشارك» وعن ضمانات التزام الحكومات من باب الشك الإيجابي وليس التشكيك.
عرس التحديث الوطني كان مقنعا وشاملا وفتح أبواب الأمل ليس أمام إصلاحات شاملة بل أمام «تسويات» تحسم التجاذب وتنهي أي صراع واستقطاب بين مراكز الجذب والقوى الاجتماعية والبيروقراطية والسياسية بحيث تتفرغ الدولة لخط الإنتاج الثاني وهو «التمكين الاقتصادي».
بعد أول منعطف في مسار التحديث السياسي بتنا أمام مشهد تسخر فيه «مؤسسات بيروقراطية» بالجملة من التحديث
بعد أول انتخابات عامة بموجب قوانين التحديث تبدلت وتغيرت المعطيات وانقلب عشرات التحديثيين على ذاتهم وبدأت «ألو» الشهيرة تتدخل بمصائر تشكيل الأحزاب والقوائم وصولا إلى وجهات نظر تتكدس الآن تقترح حل البرلمان وتغيير الصيغة الانتخابية.
وبعد أول منعطف في مسار التحديث السياسي بتنا أمام مشهد تسخر فيه «مؤسسات بيروقراطية» بالجملة من التحديث وتوصياته حتى شهدنا تشكيل حكومة فيها 8 وزراء من الأحزاب السياسية يعلن رئيسها بأنه تم اختيارهم بالمعيار المهني وليس لأنهم يمثلون الأحزاب وكأن العمل الحزبي الذي صاغته للتو لجان سيادية ينطوي على «شتيمة» لابد من التبرؤ منها.
الأحزاب الوسطية تحديدا فيها عشرات النخب الخبيرة تكنوقراطيا وتزخر بالكفاءات لكن ذلك لم يكفل للأحزاب حصة من أي وزن في تفكير رئيس الحكومة في ذلك الوقت آملين بأن تتغير الاعتبارات في العام الثاني للحكومة.
وفي المنعطف التالي عند محطة «الرؤية الاقتصادية» حدث ولا حرج فقد تحولت الوثائق التي صيغت بأكثر من 150 ساعة عمل تخللها تناول «حلاوة السميد والقهوة السادة» وحوارات صاخبة بحضور الخبراء ورموز القطاع الخاص إلى موسم تبادل وتلاوم للحكومات التي تشكلت باعتبارها «تحديثية».
وزراء ما بعد التحديث يتلاومون ويتهمون بعضهم البعض بالتقصير والتضليل وكل مسؤول خدمات وقطاع اقتصادي اختير بعد التحديث ارتدى زي المسار التحديثي وبدأ بتحطيم كل ما قام به سلفه بزعم الحفاظ على المسار التحديثي.
فجأة تحول عرس التحديث الوطني إلى «سهرة وناسة» على طريقة الأعراس المصرية حيث إطفاء الكهرباء واختفاء العريس.
تسقط الأحزاب السياسية التي تشكلت لإنارة طريق التحديث السياسي في أول اختبار انتخابي فتبدأ «لطمية وطنية» اسمها «تعديلات التحديث وضعت البرلمان في حضن التيار الإسلامي».
والهدف معلوم مسبقا وهو إثبات نظرية عبقرية قديمة وكلاسيكية فكرتها «كلفة الإصلاح السياسي أكبر من كلفة عكسه».
وفي الأثناء صراع نفوذ مالي بين هيئات حزبية واتهامات لأحزاب وسطية بالمال السياسي وقرار قضائي بشطب حزبين من السجلات وتشويه متعمد لـ4 أحزاب أخرى وقرائن تجمع بحرص شديد لإثبات نظرية أقدم فكرتها «هذا شعب لا يليق به العمل الحزبي ولا يمثله».
ومع تلك المتلازمة التي تخطط لإقصاء التحديث ودلالاته الأعمق وطنيا اجتهادات مضادة من كل لون.
لا أساس للافتراض بأن التحديث السياسي لا علاقة له بالاقتصادي.
والحفاظ على «الطبخة التحديثية» يتطلب تكسير بعض البيض وغير معقول أن نواصل الحديث في الإصلاح التحديثي دون تراجع عن «تجريف» النقابات المهنية وتجويف العمل الحزبي والتدخل في الانتخابات البلدية ثم بناء استراتيجيات على أساس «إقصاء تيار عريض» عمره من عمر الدولة عمليا.
المطلوب «إنقاذ التحديث والرؤية».
