الأردن: التواصل يقود «الرواية»… والمؤسسات تتراجع … عودة غير محمودة لاستقطابات «مراكز القوى»

عمان- «القدس العربي»: آخر ما يحتاجه المشهد السياسي والوطني الأردني في هذه الأيام الصعبة حيث حمى السيولة الاستراتيجية تسيطر على مناخ وأجواء المنطقة هو الغرق مجدداً في مستنقع ووحل الصراع بين مراكز القوى مع وجود وجهات نظر متعددة إزاء الملفات المطروحة داخل أنظمة ومؤسسات وهيكلية الدولة والحكومة والسلطات.
وآخر ما يمكن قوله في إطار الملاحظات المطروحة عملياً تحت عناوين عودة غير محمودة للاستقطاب المضاد هو أن المرحلة معقدة وصعبة.
والاستحقاقات نشطة وغامضة، لا بل مشغولة في كثير من الأحيان كما يرى ويقدر المحلل الاقتصادي والسياسي الدكتور أنور الخفش بتلك التشنجات التي تجتاح الإقليم.
ذلك يعلي من قيمة وشأن وأهمية توحيد الجهود على المستوى الوطني الداخلي، وتوحيد اللغة أيضاً؛ بمعنى الالتزام أولاً بمسارات التحديث السياسي والاقتصادي التي لم يعد يذكرها كثيرون، على حد تعبير الملل السياسي رامي العياصرة، وبثوابت المؤسسة المرجعية ثانياً، ثم الحرص على المستوى الإجرائي والبيروقراطي والتنفيذي على عدم تزاحم الأجندات وعلى إبعاد الشخصنة عن المواقف في مؤسسات الإدارة العامة.
يقول الخبراء بذلك وقد لاحظوا جميعاً مؤخراً الافتقار إلى وحدة التصرف والإجراء والقول مع غياب خطة إعلامية منتجة تخفف الأضرار وازدحام الاجتهادات ومعالجة عودة حالة الاستقطاب، برأي الخفش وآخرين، مرهونة بخطاب حكومي واضح وبأداء أرقى من المستويات التي يرصدها الخبراء وأحياناً الجمهور مؤخراً.
في أكثر من ملف وفي أكثر من مسار وعدة جبهات، لوحظت التباينات والاعتبارات بدأ يشوبها قدر من الفلتان مع أن الحكومة الحالية برئاسة الدكتور جعفر حسان بذلت جهداً كبيراً مؤخراً في توحيد خططها، خصوصاً على صعيد التعامل مع أسئلة البنية التحتية والإدارة البلدية التي أجبرت الحكومة على طرحها مواسم الأمطار الغزيرة طوال الأسبوعين الماضيين لاحقاً، على صعيد السياق التشريعي، حيث مبادرات وسط حالة بحث لأعضاء مجلس النواب عن هوية أو هيبة بعدما حصلت تغيرات في رئاسة مجلس النواب قد تعقبها المزيد من التغييرات والتداعيات لاحقاً، تأخرت فيما يبدو، وهذا ما يغذي صراعات وأحياناً انقسامات بين مراكز قوى أساسية أجندة التغيرات الهيكلية العميقة على مستوى الأدوات والمناصب وبعض المؤسسات والسلطات.
ومجلس النواب من تلك الزاوية لا يشعر بقدر الاستقرار والاسترخاء المطلوب، برأي النائب عبد الناصر الخصاونة، الذي يقدر بأنه «ثمة تململ» وسط النواب لا يمكن إنكاره، مرده على الأرجح «غياب الشخصيات التشريعية العميقة» وضبابية الرؤية الحكومية وكثرة المدخلات.
وهو واقع سمح باجتهادات شخصانية على الأرجح دفعت اللاعبين في المشهد البرلماني للبحث عن التصاق بمركز قوة مؤثر ما في بعض التفاصيل كما هو واقع، تعبر عنه حالة انفلات «إعلامية» بالمقابل حيث تكاثرت وتزاحمت الأقلام التي تتحدث وتفتي باسم «الدولة» فيما تقود «منصات التواصل» غير المهنية الرواية والسردية في غالب الأحيان، لا بل تقود رواية الحكومة في بعض المساحات.
نتج عن ذلك شخصنة وفردانية نقدية ظهرت عند النواب والأعيان وأحياناً عند الطاقم الوزاري.
يلاحظ الجميع محلياً أن بعض القضايا تدار عبر التفاعل مع منصات التواصل الاجتماعي حيث لا مصداقية على الصعيد المعلوماتي، وتداول محترف ومكثف على الصعيد الجماهيري، وغياب عن التدقيق، ومشاركة أحياناً من داخل الجسم البيروقراطي في تغذية الخلافات والانقسامات، وفي استهداف بعض الرموز والأدوات.
وهو ما عايشه مؤخراً عملياً وزير العمل في الحكومة الدكتور خالد البكار، بعد خلاف كان يمكن السيطرة عليه في كل بساطة مع النائب ديمة طهبوب على سؤال دستوري تحول إلى استجواب بدأت عاصفة تستهدف الوزير وسمعته على المستوى الشخصي.
يسأل الجميع في صالونات عمان حالياً: من سرب، أو ماذا كتب ولماذا؟
حتى اللحظة، العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية؛ أي بين الوزراء والنواب، تتعرض لهزات ارتدادية عنوانها الاستقطاب والاستقطاب المضاد وأحياناً الشخصنة، وهو ما لا ينفيه الخصاونة.
والأرجح أن مجلس الأعيان على نحو مفاجئ يتصدر في توجيه ملاحظات قد تعتبر نقدية للحكومة التي تشعر أوساط فيها بأن الغطاء رفع عنها في بعض الجزئيات والمساحات، فيما يلاحظ الأعيان والنواب على وزراء الحكومة الحالية أنهم منشغلون أكثر مما ينبغي في التنديد بالحكومات السابقة وإظهار أخطاء اجتهاداتها وإجراءاتها، في الوقت الذي ينبغي للحكومة القائمة فيه التركيز على اعتبارات الأداء والعمل والإنجاز، حيث نصح بذلك مخضرم من وزن الدكتور رجائي المعشر.
وسط هذه التقاطعات، يناضل رئيس الوزراء فيما يبدو لإظهار جدية الحكومة في الالتزام بمسار التحديث الاقتصادي وتحويله إلى رؤية تنفيذية وإجرائية تحدث فارقاً على الصعيد الاقتصادي والاستثماري.
وهو ما برر سلسلة المشاريع الاستراتيجية التي وصفت حكومياً بـ «كبرى» مؤخراً وبقيمة قد تصل إلى 10 مليارات دينار، في الوقت الذي قدر فيه لاعب برلماني وسياسي محنك، هو الدكتور ممدوح العبادي، بأن الدولة الأردنية عموماً وليس على صعيد الحكومة وسلطة التشريع فقط، في حالة تراجع؛ داعياً علناً إلى إعادة قراءة المشهد وإنتاج حالة من الاشتباك الوطنية، لكن في الاتجاهات السليمة بسبب طبيعة التحديات التي تواجهها الدولة في هذه المرحلة الصعبة والمعقدة.
