اراء و مقالات

إيقاعات «جيوسياسية» مستجدة في البرمجة الأردنية و«نصائح أوروبية»: إسرائيل تخطط لـ «حرب دائمة» بين العرب وإيران

عمان- «القدس العربي»: دخلت مخاطر ونتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في البرمجة السياسية الأردنية مع الشهر الثاني لتلك الحرب التي تخلط كل الأوراق.
وبدأت أصوات مسيسة في عمان ترفع من سقف الإجراءات الحكومية، بل والأسئلة الصعبة التي طرحتها، ثم فرضتها على واقع الحال الأردني تحديداً والعربي لاحقاً تلك الحرب الحائرة.
لا تزال وجهة نظر رئيس الوزراء الأسبق والسياسي الخضرم طاهر المصري، تتكثف في منطقة التحذير من الانضمام إلى الأمريكيين في حالة تمحور طويلة الأجل ضد الإيرانيين.
ولا تزال الأسئلة تتكاثف حول صيغة النجاة المحتملة من التداعيات بالنسبة لمركز القرار الأردني فيما يبدو أنه انحيازات وإيقاعات جيوسياسية متلاطمة تتطلب -برأي الخبير الاستراتيجي والعسكري الفريق قاصد محمود كما قال لـ «القدس العربي» مؤخراً- أقصى طاقات الحذر والانتباه.
الجنرال محمود يصر على أن الصراع الحالي، رغم صعوبته ومشكلاته وتداعياته، يجب النظر له على مستوى النظام الرسمي العربي باعتباره صراعاً بين مشروعين يمكن لأحدهما أن يضعف الآخر، فيما الاحتراز واجب حتى لا تفقد المصالح العربية الحيوية على مستوى النظام الرسمي العربي قيمتها التي يبددها الانحياز في أي اتجاه.
الأردن في هذا المعنى متضرر، وما تقوله البيانات السيادية التي تصدر يومياً في عمان هو أن القرار الإيراني يحول الأردن بعد اختطافه لبعض الدول العربية كرهينة في الحرب إلى جبهة أمامية مفتوحة الاحتمالات. أما الجنرال محمود فيعيد تذكير الجميع بأن محاصرة الأردن جيو سياسياً عبر محاصرة مصالحه في العراق وسوريا ولبنان والضفة الغربية لا يزال هدفاً في مقايسات اليمين الإسرائيلي المتطرف؛ لأن ذلك اليمين لا يسعى فقط، بل يريد تنازلات أردنية جوهرية على صعيد القضية الفلسطينية.
لذلك، الوضع صعب ومعقد- وفقاً لمحمود، أما الحرص على معادلة الحياد السياسي وليس العملياتي فقط فهو هدف مطلوب- وفقاً للمصري.
أصوات سياسيين كثر ارتفعت لهم مؤخراً ضمن المعادلة التي تقول بأن إضعاف إيران على المستوى الإقليمي في المنطقة لا يخدم مصالح الأردن الأساسية.
ولكن العكس هو الصحيح؛ حيث إضعاف اليمين الإسرائيلي المتطرف، شريطة الحرص على الأمن الإقليمي الوطني الأردني، هو الوصفة الأكثر إنتاجية لمصالح الأردن. وإيران عندما تتكفل بذلك -كما يشرح السياسي والبرلماني البارز الدكتور ممدوح العبادي لـ القدس العربي»- تستفيد المصلحة الأردنية بالنتائج، ويتراجع الطموح الاستبدادي المستعر لليمين الإسرائيلي حتى في تفاصيل محددة، مثل ضم الأغوار والضفة الغربية، أو كليهما، وتهجير الفلسطينيين شرقاً.
صحيح هنا أن بعض الأصوات ارتفعت مؤخراً تحت عنوان القراءة والتعمق والتحليل. وصحيح أيضاً أن الحكومة الأردنية إجرائياً اختارت برمجة بعض السيناريوهات وبروتوكولات حالة الحرب في اتجاه الحصانة والتأمين الاقتصادي الداخلي، ولكن الصحيح -في المقابل- أن القراءة العميقة التشخيصية للحدث وتأثيراته وموقع الأردن داخل تلك التأثيرات تبدو رواية لم تقرأ بعد على مستوى النخب والرأي العام، وحكاية لم تُروَ بعد في سياق الخطاب الإعلامي الرسمي على الأقل، مع أن ما يظهر في ذلك الإعلام حتى اللحظة مجرد أدبيات تصعيدية سطحية ضد الإيرانيين تقف عند حدود استعادة ذكريات وأدبيات الأطماع الفارسية والحقن الطائفي، وعند حدود التأزيم دون تقديم وصفات متزنة تتماثل أو حتى تمثل الموقف الرسمي المعلن حتى الآن.
الموقف الرسمي والسيادي المعلن يندد بالاعتداءات الإيرانية غير المبررة على الأردن والدول العربية.
لكنه لا يعلن الحرب على إيران، ولا يصنفها باعتبارها العدو، وهو ما ينبغي أن تتنبه له طهران.
لا بل إن النصوص المرجعية الأردنية تتمسك بسيناريو خفض التصعيد والمعالجة الدبلوماسية، وبميكانيزمات العبارة التي استخدمها وزير الخارجية أيمن الصفدي رداً على سؤال مباشر لـ «القدس العربي» حول محور الحراك الدبلوماسي الأردني مع الدول العربية، وهي عبارة من ثلاث كلمات «تشاور، تضامن، تنسيق».
دون ذلك، إفصاحات من المنظومة الأمنية عن عدد الاستهدافات والمتساقطات بعيداً عن تسييس الجملة وبصيغة تظهر إدراكاً متقدماً لعقل الدولة الأردنية فيما يتعلق بطبيعة هذه الحرب واحتمالات نتائجها المعقدة، الأمر الذي لا يراه الجمهور في تلك النصوص السطحية التي تظهر إما في الإعلام الرسمي أو من شخصيات رسمية، وأحياناً شبه رسمية، أو برلمانية.
سلسلة التحريض هنا تبدأ من عند الدعوة إلى طرد السفير الإيراني، ويعبر في اتجاه اتهام مكونات أردنية عريضة بمساندة إيران وصواريخها، وينتهي عند إسفاف مؤقت في الطرح والخطاب يؤدي إلى تقسيم وتصنيف الأردنيين، ثم يرفع بطاقة الولاء وعكسه في وجه أصحاب الرأي المستقل أو الثقيل.
التعبيرات الإعلامية هي التي تثير الاحتقان وسط الجمهور، ولا تبدو ملتزمة بالنص الرسمي المعلن أو حتى الذي يقال في الغرف المغلقة.
تلك جزئية بدأت تنصح مؤسسات الدولة الأردنية بضبطها لأنها مكلفة، وتداعياتها لا تبرز في ظل مواجهة علنية مع إيران وغيرها، ولكن في هوامش هي الأخطر في ترسيم مصالح الأردن جيو سياسياً، مثل الساحة العراقية حيث التحريض المحلي في عمان يرد عليه تحريض منهجي في بغداد من فصائل عراقية موالية لإيران.
لذلك، قد يتطلب إطار المصالح قريباً ضبط إيقاع المجتهدين أو الذين يزعمون تمثيل الدولة الأردنية، فيما الأصل في المسألة أجنداتهم الشخصية.
إلى أن يحصل ذلك بتدخل مباشر أو غير مباشر، ثمة مؤسسات عميقة بالتأكيد تراقب وتقرأ مشهد الحرب وتأثيراتها على بلد مثل الأردن في سياق متزن وأكثر عمقاً، وسط عودة الانطباع بتلقي عمان خلف الستائر لنصيحة من «صديق أوروبي» مهتم جداً بالأردن، مضمونها أن وضع الدول العربية وبينها الأردن في مشهدية الحرب المباشرة مع إيران هو هدف مباشر ومؤكد لليمين الإسرائيلي، الأمر الذي يقتضي مجدداً الانتباه والتنويه.
والسبب أن الأمريكي والإسرائيلي قد يخططان أو يخططان إذا ما توقفت الحرب المباشرة لإدامة الصراع بين الأنظمة العربية في المنطقة وإيران ووكلائها أو فصائلها.
ذلك عبء كبير إن حصل، في تقدير الصديق الأوروبي «يرجح أنه ألماني».
ومع وجود فصائل عريضة مسلحة في العراق تحديداً تمارس خطاباً عدائياً ضد الأردن ودول الخليج، يصبح ضبط إيقاع تصريحات بعض النواب والإعلاميين والمتحمسين بموجب نص الدولة وتشخيصها خطوة ضرورية في غاية الإلحاح؛ لأن بديلها فوضى غير منتجة.

 

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading