الأردن و«فوضى الأدوار»: أيهما أفضل للأمن القومي إيران قوية أم مهزومة؟

عمان ـ «القدس العربي»: انطلاق صفارات الإنذار لأسباب أمنية وبشكل متكرر وللأسبوع الثالث في الأردن يوازيه في الأهمية والحجم والنوعية قرع أجراس الإنذار السياسي على المستوى الجيوسياسي في الإقليم.
يحصل ذلك مع تكرس القناعة بأن «ظروف الإقليم تغيرت» في كل حال وبصرف النظر عن»نتائج الحرب»، لكن الأخطر على حد توصيف السياسي الدكتور جواد العناني بدون الإجابة على سؤال: «تغيرت بأي اتجاه؟».
صحيح أن الأردن في حالة حراك دبلوماسية نشطة للغاية ويبحث عن «توازناته» وأمامه حسب ما فهمت «القدس العربي» من العناني محطات أساسية تشكل تحديات.
لكن صحيح في المقابل أن المملكة في منسوب الخطر الجيوسياسي والاحتراز واجب، لأن اضعاف كل من إسرائيل وإيران قد يكون استثنائي الأهمية إذا لعبت الأدوار بصورة «احترافية».
وعليه الاحتراز للتفاصيل وفقا للسياسي والبرلماني الدكتور ممدوح العبادي واجب ولا توجد لا أدلة ولا قرائن ذات وزن تفيد بأن نجاح اليمين الإسرائيلي في تحييد إيران وهزيمتها فيه مصلحة عميقة للأمن القومي الأردني.
وجهة نظر العبادي عرضها مجددا أمام «القدس العربي»، وفكرته التعاطي مع ميزان إستراتيجي مضمونه أو محوره إيران قوية ومتماسكة في الإقليم يسند مواجهة مخاطر التوسع الإسرائيلي، معتبرا الاعتداء على دول عربية من بيها الأردن جزئية مرفوضة، فيما يمكن التركيز على التعاطي بدقة أكثر مع الوجود العسكري الأمريكي الذي أعلن الحرب على الإيرانيين.
في كل حال وجهة نظر سياسيين خبراء من وزن العبادي ليست الوحيدة في نقاشات الأردنيين، والعبارة التي يفضلها العناني «إيران لا تهزم ولا تسيطر» وفي كل الحالات الأردن يواجه تحديات مهما كانت النتائج.
تحرص عمان وحصرا المنظومة العميقة فيها ليس على متابعة الحرب والسياق العملياتي والصواريخ الإيرانية فقط ولكن على مراقبة منطقة الأغوار والضفة الغربية وحتى الحدود مع العراق حتى لا تصبح الحدود الآمنة قابلة للسطو أو الاستغلال بذريعة الحرب.
ملخص السرد الرسمي الأردني: عين على طهران والأخرى على الضفة والقدس وغزة.
تلك عبارة تختصر مركز فعالية المراقبة الأردنية تجنبا للأخطاء البصرية المؤذية .
وفي السياق الجيوسياسي وتأثيراته حركة الأردن مفهومة ويمكن التنبؤ بها لا بل قراءتها بعنوان التصدي لأي محاولة إيرانية تستخدم الأجواء الأردنية لضرب إسرائيل أو لاستهداف الأراضي الأردنية، ثم البقاء في أقرب نقطة ممكنة من النظام الرسمي العربي، لا بل إظهار نشاط دبلوماسي حماسي واضح يقود الاجتماعات والمشاورات أحيانا في هذا السياق.
الهدف الأعمق قد يكون الاستجابة للنصيحة التي تقدم بها سابقا عبر «القدس العربي» السياسي الأردني المخضرم طاهر المصري، عندما اقترح جملة تكتيكية في تجنب الالتصاق بالمحاور والبقاء في مسافة أمان منتجة بعيدا عن المحور الإيراني أو حتى الأمريكي المتخصص باستهداف المحور الإيراني.
تلك طبعا وصفة تبدو صعبة ومعقدة. ومن الصعب الرهان عليها لأن إحدى النظريات الجيوسياسية التي قفزت في وقت متأخر بعد قراءة الحرب المتواصلة وسط بعض نخب عمان هي تلك التي تفترض بأن انتهاء المواجهة الحالية بصمود إيران ومحورها وبصرف النظر عن ميزان الخسائر سيؤدي إلى حالة سيولة إستراتيجية ذات بعد أمني في المنطقة تتزاحم خلالها الأجندات والطموحات والمنافسات على حصص النفوذ وتقاسم الأدوار والمكاسب.
فوضى الأدوار والمزاحمة هنا حتى بتقدير أطراف فاعلة في المستوى السيادي الأردني والاستشاري قد تنتهي بسيناريو يقفز فيه الإسرائيلي إلى الأمام، بمعنى الاتجاه عسكريا إلى جنوب لبنان وجنوبي سوريا وما بعد الجولان ثم الأغوار وما بعدها بهدف تحسين موقعه الجيوسياسي والتفاوضي مع القوى الفاعلة الجديدة في مرحلة ما بعد الحرب.
معنى ذلك باختصار أن المكاسب التي قد تحققها إيران إذا ما صمدت في الحرب الحالية ولأي سبب قد تحد فعلا من نفوذ خطط التوسع عند اليمين الإسرائيلي لكنها قد تجازف بانفلات الأمن الحدودي على الأطراف حتى تضمن إسرائيل حصتها ومساحتها التفاوضية.
تلك معطيات نوقشت خلف الستارة ولا تقال للعامة وأساسها قراءة مبكرة لـ«مخاطر» المواجهة الحالية، الأمر الذي يبرر على نحو أو آخر مراقبة منطقة الأغوار وجنوبي سوريا والحدود مع العراق والوضع في لبنان.
عمان عمليا وفي الخلاصة في الاحتراز الجيوسياسي، ومصالحها تتطلب على نحو أو آخر البقاء في حالة تحريك العجلة وضمن الخيار الدبلوماسي والتقدم مساحات كبيرة في إدانة اعتداءات إيرانية غير مبررة والحرص وفقا للعناني على تجنب الدخول مع بقية الدول العربية كوقود في معركة كسر العظم.
الحرص على توفير هوامش مناورة مهم للغاية.
والتكتيك الذي تقرر حتى الآن الاقتراب قدر الإمكان من قلب منظومة دول الخليج ومخاوفها والتواصل أكثر مع الجميع خلافا للبقاء في أقرب مسافة ممكنة أيضا من مصر وتركيا والدولة السورية الجديدة.
