اراء و مقالات

تشريعات الضمان الأردنية: «وزارة حسان» في مواجهة «سيكولوجيا الشارع».. مراجعة أم تراجع؟

عمان- «القدس العربي»: استعمال الحكومة الأردنية لصيغة «مراجعة» التعديلات التي أثارت جدلاً واعتراضاً عارماً في ملف «التأمينات الاجتماعية» لا تعني «التراجع» عن تلك النصوص بعدما أغضبت المواطنين والنواب والنقابات والقطاع الخاص.
رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، وفيما يختص بتعديلات قانون الضمان الاجتماعي الجديد، وعد أعضاء كتلة الميثاق البرلمانية مساء الإثنين بمراجعة النصوص في «ضوء ملاحظات الشارع»، كما أعلن رئيس الكتلة النائب إبراهيم طراونة.
لاحقاً، وبعد ظهر الثلاثاء، اجتمع حسان برؤساء 5 كتل برلمانية ضمن مسار «تسوية تشريعية ما».
تلك خطوة من جهة حسان خططت تكتيكياً وعملياً وقبل نضوج التوجه المستجد لإبعاد حكومته قدر الإمكان عن محور «إطلاق النار العشوائي» شعبوياً ليس بعد رصد «حالة وحجم الاعتراض الشعبي» على بنود تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، ولكن بعد رصد مؤشرين في غاية الأهمية.
الأول، نصائح في المستوى السيادي للمستوى السياسي في الحكومة بأن صيغة «رفع سن تقاعد المواطنين لـ 5 سنوات» قد تؤسس لحالة «اختناق احتقاني» مكلفة شعبياً وسياسياً، ويمكن الاستغناء عنها.
والثاني يتمثل في التوجه المعلن لبعض أقطاب البرلمان من الأحزاب الوسطية المقربة من السلطات للتقاطع مع الإسلاميين عند منطقة «إسقاط التعديلات» ورفع لافتة «ممنوع العبور» في وجهها.
هنا حصرا غيرت الحكومة في المعطيات، وسمح رئيسها بعد «أسبوع صاخب» من «الضخ غير الجائر» ضد توجهات وتعديلات ملف التأمينات الاجتماعية بخطوة تنظيم على أساس الاستدراك.
وتوفرت صيغة تسمح بذلك مساء الإثنين، تحت عنوان «مراجعة النصوص» من جهة مجلس الوزراء، والبحث عن تعديلات «أخف وطأة» يمكن لمجلس النواب أن يمررها ولو تميزت بقدر يمكن السيطرة عليه من «غياب الشعبية».
هدف رئيس الوزراء، حسان، شرعي بامتياز سياسياً وبرلمانياً، ومن منطق خطوة للخلف؛ لمنع اصطدام الحكومة في الجدار الحساس بعدما تصدرت لغة «العودة للدوار الرابع» إذا أصرت الحكومة على موقفها التشريعي في حالة استذكار شبه جماعية لما حصل أيام احتجاجات بسبب قانون ضريبة جدا اسقطت الحكومة آنذاك.
مساء الإثنين، تناول رئيس الوزراء مع كتلة حزب الميثاق إفطاراً تحدث فيه عن نيته إجراء حوار موسع حول القانون وتزويد مجلس الوزراء بالتغذية الرجعية، واعداً بتقديم إيضاحات وشروحات مفصلة.
تلك الصيغة تعني أن الحكومة بدأت تلعب بورقة سحب النصوص المثيرة جداً للجدل وإعادة صياغتها.
والحديث هنا حصراً عن نصوص ترتبط بإلغاء التقاعد المبكر أو برفع سن التقاعد بمقدار 5 سنوات للذكور والإناث، وهو ما ألهب الاعتراضات الشعبية، فيما «الوقفة التأملية الاستدراكية» قد تؤدي إلى «تجديد بعض النصوص» بصيغة «تجميلية» بهدف المضي قدماً بمشروع إقرار القانون مع مجلس النواب.
سقف التكتيك الحكومي الجديد وما الذي سيحصل بعده يبقي النقاشات على الهواء المباشر، خصوصاً أن مشروع التعديل القانوني الذي أعلن بعد إحالته لديوان الرقابة والتشريع استفز الجمهور والشارع، وأظهر ميلاً خشناً عند الرأي العام لمهاجمة الحكومة.
أصبح الاحتواء محطة ضرورية توقف اندفاع وزارة الرئيس حسان نحو تناول الملف الذي يمكن القول إنه الأكثر سخونة على المستوى التشريعي قياساً بمستوى حساسية الرأي العام والجمهور وشعور المواطنين الأفقي بالاستفزاز الشديد.
قد تنجح مبادرة سحب القانون لإجراء تعديلات جديدة على القانون بعد الحوار الاعتراضي الصاخب، لكن وزارة حسان في كل حال «تراجعت قليلا» تحت الضغط الشعبي، وإن كانت تتحدث عن «مراجعة» لأنها لم تحسب حساباتها بطريقة منهجية وواقعية، واعتقدت أن تخويف القواعد الاجتماعية على مستقبل مؤسسة الضمان الاجتماعي يبقى هو أساس التحرك التشريعي المثير، وهو أيضاً المركز في عملية الترويج للقانون الجديد.
تلك المنهجية أظهرت بؤس التحليل والرهان الخاسر قبل الاستدراك، لكن وفي كل حال، تراجع الحكومة «نبأ ساراً»، أما نهايات هذا التراجع وكيفية إدارة الحوار بعده ثم طبيعة وتركيبة النصوص التي سيتم تطويرها بموجب توافقات هذه المرة مع مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص ولاحقا النواب، فهي المسار الذي سيخضع للاختبار بعد الآن.
هنا حصراً، مهم تذكير الطاقم الوزاري بأن «سيكولوجيا الشارع» جاهزة للانقضاض مجدداً على أي تشريعات مستجدة لا ترعي احتياجات المواطنين، خصوصاً بعدما تبين أن ملف الضمان الاجتماعي من أكثر الملفات حساسية في وجدان غالبية المكونات والطبقات الاجتماعية.
ومهم في المقابل، التذكير بأن حسابات الحكومة عند الاستعجال بإقرار تعديلات قانونية قبل حتى انتهاء الفترة التي حددها البنك الدولي لمثل هذه التعديلات وبعدة أشهر، أصبح مؤشراً على الارتجال، والعشوائية، وغياب التخطيط السليم على الأقل في التعامل مع الجمهور والشارع.
في المقابل، الحملات الإعلامية الرسمية التي برز فيها بعض الوزراء وبعض صغار الكتاب الصحافيين المقربين من الحكومة جاءت تماماً بنتائج عكسية، ليس على المستوى البرلماني والنيابي فقط أو الحزبي، ولكن على المستوى الجماهيري؛ فقد شعر مجلس النواب بأن المزاج الوطني العام لا يقبل القسمة على اثنين فيما يخص قانون الضمان الاجتماعي، واضطر النواب للهاث وراء الموقف الشعبي، لا بل تبنيه، مع إبلاغ الحكومة وفي كل اللهجات بأن البرلمان لا يستطيع مشاركة الحكومة وهي تتجاهل التوقيت الأنسب للحوار في تبني تعديلات قانونية يعارضها الشارع وبقوة.

 

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading