ثلاثية الأردن: «تضامن ـ تشاور ـ تنسيق».. هل ينجح محور القاهرة ـ عمان في خفض التصعيد وتجنب «التورط»؟

عمان ـ «القدس العربي»: قد لا يحتاج المشهد إلى الإغراق في التأويلات والتكهنات عندما يتعلق الأمر ليس بقواعد الاشتباك الأردنية مع حزمة الصواريخ الإيرانية وبروتوكولات الدفاع الجوي فقط، ولكن أيضاً عندما يتعلق بالرؤية المركزية التي تعتمدها في مقارباتها المؤسسة الأردنية وهي تتعامل مع مستجدات الحرب والتأزيم العسكري انطلاقاً من وجهتي نظر واضحتين.
الأولى تلك التي تقول بالدروس والإرشادات التي يمكن فهمها على مستوى تخفيض مستوى منسوب تحديات يواجهها النظام الرسمي العربي عموماً والأردن في قلبه عملياً جراء تداعيات آثار حرب لا شكوك عند الأردنيين على المستوى النخبوي والمؤسسي ـ كما يشرح السياسي المخضرم الدكتور جواد العناني لـ «القدس العربي» ـ «افتعلها اليمين الإسرائيلي» وسمح له اليمين الأمريكي بذلك الافتعال عندما انجرت الولايات المتحدة للحرب مع إيران.
تلك تبدو قناعة راسخة وسط الرسميين الأردنيين، وإن كانت عبارة «العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران» لم ترد في النصوص والأدبيات ولأسباب يمكن فهمها في كل حال.
وجهة النظر الثانية تلك التي تؤمن في العقيدة السياسية الأردنية بأن رد إيران على افتعال الحرب ضدها انطوى على اعتداءات صارخة صنفت في بداية الاشتباك بعبارة «غير مبررة» التي استعملها وزير الخارجية أيمن الصفدي.
لكنها تحولت لاحقاً ـ مع مسار العمليات ـ إلى عبارة «اعتداءات استهدافية مقصودة وتوريطية «تمس بالأمن القومي العربي عموماً، وإن كانت تشكل في ذاتها فرصة لبلد مثل الأردن بدأ يصر في مراسلاته العلنية مع دول الخليج تحديداً جميعها على أن أمن الخليج هو جزء من أمن المملكة».
بين وجهتي نظر، بحثت عمان بنشاط وهمة عن سياق تموقعها الجيوسياسي.
وعندما استفسرت «القدس العربي» من وزير الخارجية الصفدي عن جوهر الرسالة في الزيارات الملكية الجريئة التي نفذت لثلاثة عواصم خليجية في ظل الحرب والصواريخ، كان الجواب بتلك المعادلة المقتضبة المؤلفة من 3 مفردات «تضامن، تشاور، وتنسيق».
جواب الصفدي هنا بحد ذاته، رسالة تمثل الموقف والموقع الأردني المرجعي.
وما تقوله نخب عمان السياسية الخبيرة بمخاوف النظام الرسمي العربي ليس من إسرائيل فقط، بل من إيران أيضاً.
التشاور على مستوى أركان النظام الرسمي العربي بات بين الاحتياجات الملحة للغاية في تقدير العناني، حيث المعادلة هنا تتطلب تجاوز كل التصدعات وأي خلافات بينية؛ حتى لا تلتهم هذه الحرب العبثية الدور العربي الرسمي في المنطقة والإقليم.
رسالة التضامن الأردنية في مواجهة استهدافات واعتداءات إيران كانت الإطار الثاني للمعادلة والمقاربة.
ما يبدو عليه الأمر، أن الأردن الذي سجل دفاعه الجوي إنجازات قد تكون في مرحلة متقدمة ضمن معادلة الحياد لعملياتي ومنع تحول أرض المملكة إلى ساحة صراع، يبدو منفتحاً على تقديم إمكاناته وخبراته للأشقاء العرب في تعزيز الأمن الإقليمي العربي وحتى الأمن الخليجي، الأمر الذي يبرر حرص المؤسسة الأردنية الواضح على بيانات وإفصاحات التضامن مع كل صغيرة أو كبيرة عندما يحصل مساس بأمن الدول العربية الشريكة.
في المقابل، قد يعبر التنسيق عن الزاوية الثالثة في استراتيجية الأردن ومواقفه المعبر عنها علناً وسراً.
دلالات التنسيق هنا بدأت مع مجموعة عريضة من زعماء العالم ثم مبادرة الزيارة الميدانية التي قام بها الملك عبد الله الثاني شخصياً لثلاثة دول خليجية وبعد تنسيق وصف بأنه رفيع المستوى مع القيادة المصرية.
المأمول بقي واضحاً، وهو بناء استراتيجية أردنية ـ مصرية أولاً في إطار التضامن والتنسيق حصراً، يمكنها التحول ـ كما يشرح العناني لاحقاً ـ إلى استراتيجية عربية موحدة تعيد التصنيف والترسيم والترقيم مادامت المنطقة برمتها تدفع ثمن هذا الصراع المفتعل.
عمان من وجهة نظر خبير مثل العناني، معنية بحماسة بتخفيض التصعيد والسعي لمنع توسيع الحرب.
تقدير العناني أن الأردن مهتم بأن لا تسمح الدول العربية لليمين الإسرائيلي بتحقيق ما يخطط له من جر النظام الرسمي العربي إلى حرب تخدم الأجندة الإسرائيلية المتطرفة في محصلتها.
والمرجح أن حراك الأردن في البيئة الخليجية في تحليل العناني له هدف، ويحذر من التورط، وإن كان ينبغي لطهران مراجعة الحسابات.
عموماً، يمكن اعتبار ثلاثية التنسيق والتشاور والتضامن بمثابة الغطاء السياسي الذي تقرأ المؤسسة الأردنية الاشتباك الحالي بناء عليه، وهو ما يعكس الحرص على إصدار بيانات تنتقد وتعارض وترفض الاعتداءات الإيرانية غير المبررة، لكنها تعمل مع شركاء آخرين في المجتمع الدولي على سيناريو خفض التصعيد في الوقت ذاته.
لم تعرف بعد تفاصيل همسة التحذير الأردنية في أذن بعض قيادات الدول العربية.
لكن ما توحي به نشاطات الغرفة الدبلوماسية هو أن التركيز متواصل على تمكين القيادة المصرية حصراً من إجراء اتصالات هنا وهناك تشمل الإيرانيين والأتراك، وتظهر حرص الدول العربية وصبرها الاستراتيجي على خفض التصعيد.
قد ينجح محور القاهرة ـ عمان في ذلك وقد لا ينجح، لكن إسرائيل من وجهة نظر الخبير العسكري والاستراتيجي الجنرال قاصد محمود، هي الطرف الذي يتولى التحريض اليوم، ولا تزال ناشطة في محاولة واضحة لجر العرب عموماً في اتجاه الصراع، مع أن قناعة الجنرال محمود التي سمعتها «القدس العربي» مباشرة منه راسخة وتقول بأن ما يجري من صراع حاد بين المشروعين الإسرائيلي والإيراني هو بحد ذاته هدية كبيرة، ولها قيمة للدول العربية إذا ما أجادت التوظيف والاستثمار والبقاء في منطقة رد الأذى والاشتباك العملياتي على هذا الأساس دون التورط المباشر.
