اراء و مقالات

«صواريخ ليست عابرة.. هدفها أراضينا».. الأردن وإيران: خشونة في «الدبلوماسي» ونقطة تحول في «السيادي»

عمان- «القدس العربي»: لماذا يزداد الخطاب الدبلوماسي والسياسي الأردني تجاه إيران خشونة؟
يطرح المراقبون والخبراء هذا السؤال مع استمرار العمليات الحربية وامتناع وزارة الخارجية منذ اندلاع الحرب عن وصف الهجوم الأمريكي والإسرائيلي بـ «العدوان» كما فعلت على الأقل خارجية سلطنة عمان وهي تستنكر «العدوانين».
في الأثناء، بدا وزير الخارجية أيمن الصفدي نشطاً جداً في إطار الحراك العربي والإقليمي الذي يندد بالاعتداءات الإيرانية غير المبررة على عدة دول عربية.
إن نشاط الدبلوماسية الأردنية وبصيغة مضادة لتصرفات إيران تميز بالوضوح والحماسة، لكن بعض الساسة يحذرون من الإفراط في هذه الحماسة في وقت تدير فيه دول عربية اعتدى عليها الإيرانيون الاشتباك بمقاربة حذرة بعيداً عن الالتحاق بالخطاب الأمريكي.
يقر السياسي الأردني البارز والخبير الدكتور محمد الحلايقة، بأن الإدارة الأمريكية الحالية افتعلت الحرب والأزمة في المقام الأول، والهدف إخضاع المنطقة والهيمنة عليها دون أن يعني ذلك شرعية المساس بأمن الدول العربية.
ثمة خشونة واضحة في الخطاب السياسي الأردني برزت أكثر بعد اليوم الخامس للحرب.
وهو ما دفع السفارة الإيرانية في العاصمة عمان لإصدار بيان تخاطب فيه الشعب مباشرة وتشرح الحيثيات التي دفعت الجمهورية لرد الفعل العسكري مؤكدة، مجدداً بأن إيران كانت في لحظة «انفعال بعد قتل زعيمها وقصف المدارس والمستشفيات»، وردت المؤسسة العسكرية في إطار الشرعية الدولية واستهدفت قواعد انطلقت منها الطائرات التي ارتكبت الجريمة في اليوم الأول للحرب ضد الشعب الإيراني.
رواية السفارة الإيرانية للأحداث هدفها احتواء ردة الفعل الغاضبة في الأردن شعبياً ورسمياً.
بعيداً عن بعض العبارات التي تعوزها الدقة في وصف واقع الحال، أظهرت السفارة حرص الجمهورية على الصداقة المتينة مع الشعب الأردني مع أنها في الواقع لم تكن متينة.
طبعاً، لا يشتري الجميع رواية سفارة طهران وسط الأردنيين.
وفيما يشن الإعلام الرسمي المحلي حملة على الإيرانيين، لوحظ بأن عدداً لا يستهان به من النشطاء والسياسيين والمثقفين الأردنيين زاروا مقر سفارة طهران لتسجيل العزاء برحيل المرشد العام علي خامنئي.
تبقى تلك مجرد ملاحظة عابرة، لكنها تدل على نمط من الانقسام النخبوي في حال رغبة السلطات الحكومية بتوطين العداء تجاه إيران وتصرفاتها في عمق المجتمع الأردني.
وتلك مهمة، حتى في رأي السياسي والبرلماني محمد الحجوج، لا تبدو سهلة أو بسيطة؛ لا لأن الشارع الأردني يثق بالإيرانيين، ولكن لأن الطرف الآخر في الصراع هو إسرائيل، المصنفة في وجدان الأردنيين باعتبارها العدو الأول والوحيد للشعب الأردني، خصوصاً بعد المجازر التي ارتكبتها ضد أهل غزة وفي ظل ما يحصل وما يبرز من احتمالات وسيناريوهات في الضفة الغربية.
إيران في المفهوم السياسي عند غالبية الأردنيين -وفقاً للحجوج- فيها نظام من الصعب الثقة به، ولديه سجل من الممارسات التي لا تزال غير مفسرة.
وبعيداً عن الاعتداء المباشر على الأردن لأنه مستنكر ومدان في كل الأحوال، لا بد من فهم المعادلة التي يقول فيها الشعب الأردني ضمناً بعدة لهجات إن إيران ليست العدو مع التذكير بأن الحرس الثوري وبعض الميلشيات الموالية لإيران في الماضي القريب كانت في الموقع الخاطئ جنوب سوريا وهي تمول وتدير عمليات تهريب المخدرات.
تلك صفحة لا تنساها المؤسسة الأردنية، ولا تزال عالقة في ذهن الوزير أيمن الصفدي الذي وصف عدة مرات أمام «القدس العربي» وقبل التحول الأخير في سوريا نشاط تهريب المخدرات باعتباره التحدي الأمني الأول لبلاده.
حصل ذلك طبعاً قبل زيارة شهيرة لطهران نفذها الصفدي وبعد تطبيق الأردن بكفاءة لقواعد الحياد العملياتي أثناء حرب استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران.
المستجدات لاحقاً فرضت بصماتها على الجميع. والحلايقة يدعم التصور القائل بوحدانية العدو الإسرائيلي باعتباره جوهر الإشكال الذي يقود للمساس بأمن المنطقة واستقرارها.
العلاقة بين الأردن وإيران بقيت دوماً في الماضي مرتابة وخالية من الثقة المتبادلة، لكن لم يُسجل على طهران سلوك خطر ومباشر ضد الأردن إذا ما استثنيت جزئية المخدرات في عهد النظام السوري المخلوع.
ذلك يطرح بعض الشروحات، لكنه لا يجيب على التساؤلات.
عمان في خطابها الدبلوماسي طبيعي جداً أن تندد بالاعتداءات الإيرانية، لكن ما يراه البعض غير طبيعي هو جرعة الحماسة في تبني خطاب يتجاوز ما تقوله الدول العربية الأخرى وفي لحظة عصيبة وتوقيت حساس يعتقد بأن المتغير هو جوهره الآن إقليمياً وبصرف النظر عن نتيجة المواجهة العسكرية الحالية.
لا شكوك بأن إظهار «الصبر والحكمة» مطلوب وبإلحاح مع التركيز حصراً على احتواء آثار الحرب وتداعيات المواجهة على الأردنيين، بما في ذلك الاستمرار في حالة التوافق الوطني التي تجمع بوضوح على الدور الفاعل النشط للقوات المسلحة في حماية الأجواء.
الأردنيون مرتاحون لمستوى الاحتراف الذي تظهره مجموعة الدفاع الجوي في احتواء أي آثار تنتج عن الأجسام الطائرة داخل الأردن، ومن ثم الأداء الدفاعي الأردني خارج نطاق المزاودة.
ما ينبغي ضبطته ليس الموقع ولا التموقع الأردني، بل «ماكينة التصريحات» في المستوى السياسي والبيروقراطي والمقالات التحريضية التي تزعم النطق باسم الدولة فتتورط بالفاصل الدعائي الأمريكي، وهو ما لا يهضمه أو يتقبله الشارع الأردني عموماً، ويؤذي السردية الرسمية.
الخشونة الدبلوماسية لها مبرراتها في ذهن المؤسسة على الأقل سيادياً وعملياتياً.
ما تريده عمان من طهران هو تجنب استخدام الجغرافيا والفضاء الأردني تماماً في الاشتباك مادامت سوريا والعراق ومعهما لبنان والمتوسط مناطق متاحة للاشتباك.
قد لا يعجب ذلك طبعاً طهران بسبب حسابات عملياتياً تخصها.
وما يهتم به الأردن هو ما ذكره سابقاً لـ «القدس العربي» الخبير الدكتور جواد العناني، عندما وصف بأن الأهم في البنية الذهنية هو عدم السماح بتحويل الأرض الأردنية إلى ساحة صراع لا للإيراني ولا للإسرائيلي، ما يعني أن الأداء العملياتي الهجومي الإيراني على نحو أو آخر مؤخراً يمس بتلك المعادلة.
وهو ما دفع ليس لرصد مؤشرات الخشونة في الخطاب الدبلوماسي الأردني فقط، ولكن للتصريح السيادي العميق الذي طرح مقاربة «الصواريخ والمسيرات الإيرانية ليست عابرة، بل هدفها أراضينا».
ذلك تصريح في غاية الأهمية، يؤشر على نقطة تحول تحجب السلطات لأسباب مفهومة تفصيلاتها، لكنها تثبت عملياتياً بأن عمان تواجه بمثل تلك العبارة اختراقاً إيرانياً ما لقواعد اللعبة والاشتباك، الأمر الذي اقتضى التنبيه ويقتضي التنويه بصرف النظر عن الشارع الذي يشيد بصواريخ إيران وعن المجموعة التي زارت سفارة طهران في عمان لتقديم العزاء بـ «الراحل الكبير خامنئي».

 

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading