اراء و مقالات

عندما عبث نتنياهو في ملف «الغاز الأردني» خلال الحرب: هل دخلت «ألعاب إسرائيل» في «مقاربة المطبخ»؟

عمان -»القدس العربي»: لا يمكن فهم الحيثيات ولا الخلفيات التي دفعت حكومة اليمين الإسرائيلي على نحو مفاجئ الأسبوع الماضي، لإعلان استئناف ضخ كميات من الغاز من سواحل فلسطين المحتلة يحتاجها الأردن ومتفق عليها في الماضي في توقيت كانت فيه حرب الصواريخ تستعر بين إيران والكيان قبل الوقف المؤقت لإطلاق النار أمس الأول ولمدة أسبوعين.
السيناريو المرجح أن الأردن تدخل بالضغط على الحكومة الإسرائيلية ولوح باستخدام بنود الغرامات في اتفاقية الغاز لإجبار الجانب الإسرائيلي على ضخ الكميات المطلوبة بقوة لإنتاج الكهرباء والإنارة في الأردن.
رغم ذلك، لا يستبعد مراقبون سياسيون وجود دور خلف الستائر لضغط أمريكي ولواشنطن في سياق إعادة ضخ الغاز للأردن بعدما اعتبر قرار إسرائيل بوقف ضخ الغاز بمثابة عقوبة تضغط على الأردن في توقيت حساس للغاية.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن امتناع عمان عن تلبية مطلب بنيامين نتنياهو باستقباله وصد الباب في وجهه قد يكون من بين الأسباب أيضاً في خلفية متوترة جداً للاتصالات مع تل أبيب، وسط انطباع لا قرائن مباشرة عليه بأن «بقاء عمان قادرة على المواجهة»، وتجنب إضعافها خلال العملية العسكرية الحربية المعادية لإيران بقي دوماً من المعادلات التي تعاملت معها الإدارة الأمريكية ولكن بخجل، كما حصل مع دول الخليج.
قبل قطعه الغاز بذريعة «الحرب والوضع الأمني» أوقف نتنياهو كمية المياه الخاصة بالأردن، ما يوحي بأن العلاقة سيئة جداً بين الأردن وحكومة نتنياهو.
وثمة ما أفرزته حيثيات الحرب والتأزيم العسكري في الإقليم على مستوى حجم التدخل الأمريكي في حيثيات الأزمة بين عمان وتل أبيب.
وما يقدره المحلل السياسي الأمريكي الفلسطيني النشط الدكتور سنان شقديح، أن الملف الأردني في غاية الأهمية إزاء حيثيات وتفصيلات الاشتباك الأمريكي مع الإيرانيين، وأن على حكومة عمان تعزيز مصالحها والاستثمار جيداً في ذلك التموقع، خصوصاً في ظل «غياب الأصدقاء الخبراء» في المنطقة عن تركيبة الاجتهادات المرهقة التي تركب موجتها إدارة تقلق الجميع وتنتج الاضطراب في البيت الأبيض.
لسبب أو لآخر، يعتقد أن واشنطن بعد سلسلة الاستهدافات الصاروخية الإيرانية للأراضي الأردنية أيضاً، حرصت على التدخل لترطيب الأجواء قليلاً في محور «القطيعة بين عمان وتل أبيب».
واضح أن العودة لضخ الغاز لعمان -بتقدير شقديح- هي أداة قياس في هذا السياق؛ لأن الكثير على مستوى أوراق التحالفات الأمريكية في المنطقة ينبغي ترتيبه بعد الآن إذا ما عبرت مهلة الأسبوعين واستقرت «نهاية الحرب»، فيما الأردن- يشرح شقديح- في عمق معادلة أي ترتيبات في السلام والحرب.
لم تعرف بعد حدود «أي تدخل أمريكي» في جزئية «ضخ الغاز مجددا» للأردن، لكن في المسار الاستراتيجي العميق، تزيد قناعة أوساط أردنية بأن اليمين الإسرائيلي يحول «اتفاقيات الغاز والمياه» مع الأردن إلى «لعبة ضغط سياسي في أوقات حرجة.
«ينبغي أن ينتهي ذلك ويتوقف».. هذا ما قاله مسؤول بارز في الحكومة عن ملف الطاقة يتابع «ألعاب نتنياهو ضد المملكة» ويصر على أن ضمان ضخ الغاز، خصوصاً في زمن الحرب والتصعيد العسكري، هو «مسؤولية» الجهة التي فرضت على الأردن توقيع اتفاقية الغاز؛ وهي الولايات المتحدة.
الغاز والمياه جزء من ممارسات إسرائيل الانتهازية والابتزازية، برأي المحلل العسكري نضال أبو زيد، الذي يصر على أن أهداف يمين تل أبيب واضحة، وهي الضغط على الأردن ومحاصرة مصالحه الاقتصادية والحيوية؛ لتحييده في تثبيت وقائع جديدة على الأرض في الأرض الفلسطينية المحتلة.
لذلك، السؤال مطروح بين نخب عمان الآن مع القناعة بالجواب: الغاز والمياه يحولهما طاقم نتنياهو المختل إلى «أدوات ضغط سياسي على المملكة» بدلاً من كونهما مشاريع استقرار تتبع اتفاقية وادي عربة.
الأسوأ أن ذلك حصل مؤخراً في ظرف حرب معقدة كان الأردن خلالها مستهدفاً بالصواريخ، وبقيت إسرائيل في الواقع العملياتي «مستفيدة» في النتيجة من قواعد الاشتباك الأردنية الدفاعية ضد النشاط الصاروخي الإيراني.
ومن يحاجج بعكس هذه القناعة، ترفع في وجهه الأدلة: حكومة نتنياهو ومباشرة في اليوم الثاني لحرب الصواريخ مع إيران، أوقفت ضخ الغاز للأردن بذريعة أمنية.
لكن هذه الذريعة تبخرت، وتبين أنها «كذبة» في الأسبوع الرابع للحرب التي استعرت، فأعلنت تل أبيب استئناف ضخ الغاز للأردن.
يعني ذلك أن شيئاً ما حصل بعدما صدت عمان الباب في وجه نتنياهو، خصوصاً أن حكومته نشطت، بذريعة الحرب ذاتها في الأثناء، في اتجاه «تفكيك وتقويض الوصاية الأردنية» على القدس وأوقافها، في واقع موضوعي أغلق بموجبه المسجد الأقصى، ولم تقم الصلاة فيه لأكثر من 40 يوماً، وهو ما وصفه محمد خلايلة وزير الأوقاف الأردني قبل 4 أيام، بأنه «جريمة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً».
عملياً، قطع الغاز عن الأردن في توقيت حرب مع استئناف تصديره كان خطوة إسرائيلية في منتهى العداء للأردن.
باتت عمان اليوم تعرف ذلك، لا بل تدخله في مقاربات المطبخ السياسي وملف الأمن القومي.
الأمريكي تدخل لإعادة إنتاج جزئية ضخ الغاز خلال الحرب في الواقع، خشية من تأثير أي ضعف في بنية الطاقة وإنتاج الكهرباء الأردنية على استراتيجيته الولايات المتحدة العسكرية ضد إيران خصوصاً، وبقيت عمان طوال أسابيع الحرب «هدفاً لإيران».
في الواقع، عمان استهدفت بأكثر من 180 صاروخاً ومسيرة، ولا يوجد سبب لقصف صواريخ ضد الأراضي الأردنية إلا الجار الإسرائيلي السيئ، وطبيعة العلاقات الدفاعية بين عمان وواشنطن. وفيما برز أن واشنطن تعرف ذلك، بقيت تل أبيب في منطقة «التجاهل واللامبالاة»، لا بل قطعت الغاز واستمرت في لعبة ابتزازية ضد الأردن لكن في وقت حرب.
لذلك، يمكن فهم تركيز الأردن الشديد خلال الحرب ضد إيران على ضرورة ألا يستغل يمين إسرائيل الظروف لفرض وقائع على الأرض الفلسطينية.
ولذلك، يبرز السؤال الأردني الأكثر إنتاجاً للقلق بعد ممارسة مبتذلة من جهة تل أبيب في ملف الغاز: نعرف يمين إسرائيل وما يفعله في وقت السلم والتفوق والسعي للهيمنة.. ما الذي سيفعله ضدنا وضد الشعب الفلسطيني في وقت حرب إقليمية؟

 

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading