اراء و مقالات

جولة في «عقل الدبلوماسية» الأردنية: وقف العدوان «لا يكفي» ومضادات لـ«الاستسلام»

الصفدي إلى اجتماعات «الأوروبي» ضمن رؤية تتوافق مع قطر ومصر

عمان ـ «القدس العربي»: ما هي الأهداف التي يمكن أن تحققها مشاركة بعض وزراء الخارجية العرب ضمن ما يسمى بالأسرة الدبلوماسية في بروكسل بالمبادرة الأوروبية المستجدة لمسؤول الملف الخارجي جوزيف بويل؟
ما الذي يمكن تقديمه من طروحات عبر الاجتماعات التي كانت عمان حصراً قد اقترحتها وبفعالية نشطة من وزير الخارجية أيمن الصفدي حتى لا يستسلم الجميع لا للفراغ في أزمة العدوان العسكري الإسرائيلي ولا للغطاء الأمريكي فقط، الذي يوفره لحكومة يمين إسرائيل الرئيس جو بايدن.
الصفدي اتجه إلى اجتماعات الاتحاد الأوروبي ضمن رؤية يفترض أنها ناضجة بالتوافق مع كل من قطر ومصر على نحو خاص، ثم استعانت الدول العربية الثلاث بالتنسيق مع بويل باستدراج وزير الخارجية السعودي، ثم الأمين العام للجامعة العربية إلى اجتماعات بروكسل.

الحاجة لإطلاق عملية سياسية

وبرمجت الخطوة بالتوازي مع الإطار النقاشي الذي أنتجته تفاعلات قضية جنوب إفريقيا في محكمة لاهاي، حيث الأردن على تواصل دبلوماسي وقانوني ويحضر جلسات الاجتماع، ما يؤشر إلى أن السيناريو الذي تفترضه عمان في ظل التعقيدات الإقليمية هو البقاء في حالة حركة وتحريك، حيث قال الوزير الصفدي بصراحة لـ «القدس العربي» إن البقاء في ظل الرواية الإسرائيلية للأحداث ليس خياراً، وأن بلاده مشتبكة مع كل التفاصيل.
بالتوازي وعلى هامش أي جولة في العقل الدبلوماسي الأردني، عندما يتعلق الأمر بتفحص الفرص والمساحات المتاحة حالياً في الاشتباك مع الإسرائيليين لا بد من تلمس تلك الزوايا التي يحاول الأردن دبلوماسياً إعادة تدويرها؛ حيث تعهد الصفدي بأن بلاده لن تتوقف عن المطالبة بوقف العدوان وفوراً وقبل أي اعتبار آخر، وحيث يؤكد الوزير نفسه أن وقف العدوان نفسه لم يعد كافياً بقدر ما ينبغي الانتباه جيداً لضمانات بعدم تكراره وبمعاقبة مرتكبي الجرائم والحرص على عدم الإفلات من العقاب.
لكن الأهم في مقايسات الدبلوماسية الأردنية هو الإيمان والقناعة بأن وقف العدوان خطوة أولى وليست نهائية أو أخيرة ضمن مخطط دولي شمولي ينهي المآسي الإنسانية ويمنع الصراع من التجدد والتكرار ومن الاستمرار في زعزعة أمن واستقرار المنطقة، حتى وإن تطلب الأمر الاشتباك والمواجهة السياسية مع الأطراف اليمينية الإسرائيلية المتشددة. ومن هنا، تفكر الدبلوماسية الأردنية بأكثر من محور وتطرح أكثر من سؤال في الوقت نفسه.
لا فائدة بوقف العدوان فقط دون إطلاق عملية سياسية وقانونية دولية شاملة لشرعنة قيام دولة فلسطينية، ولا مكاسب كبيرة من عزل أو غياب حكومة بنيامين نتنياهو الآن دون ضمانات بأن لا يعود المتشددون من فئة البلطجية إلى الحكم في دولة الكيان.

الصفدي إلى اجتماعات «الأوروبي» ضمن رؤية تتوافق مع قطر ومصر

تأسيساً على هذا الفهم للمشهد، تتحرك الدبلوماسية الأردنية في اتجاهين بالتوازي: الضغط واجب عبر الأوروبيين الذين لاحظت عمان أن إفاداتهم تغيرت وتبدلت على الأمريكيين، والاستمرار في الضغط على الإطار الأمريكي مسألة باتت حيوية أكثر في ظل تبدل -وإن كان طفيفاً- على لهجة الوزير أنتوني بلينكن، وهو تبدل أقر الصفدي بلمسه فقط، لكن لم ينته بعد باللحظة المأمولة عربياً وفلسطينياً، وهي اتخاذ الإدارة الأمريكية لموقف يدعم وقف إطلاق النار الشامل.
يقرأ الصفدي مع غيره تلك الحسابات الانتخابية المعقدة في الولايات المتحدة الأمريكية، وما يعتقد أن عمان تخطط له هو الإصرار على إسماع الرئيس بايدن وطاقمه مرة تلو الأخرى وبكثافة وحصراً من جبهة الأصدقاء والحلفاء هو تلك النغمة أو الأسطوانة التي تطالب الرئيس الأمريكي ليس بموقف فقط ولكن بإجراء على الأرض.
ومن هنا حصراً تظهر أهمية تبديل المساحات والتكتيكات مع الأوروبيين، الأمر الذي يبرر اللقاءات الأخيرة في الفهم الأردني على الأقل لأهميتها وبعد كل الترتيبات التي جرت خلف الكواليس في تنسيق بعض المواقف أكثر مع قطر ومصر تحديداً، باعتبارهما الدولتين الأكثر تشاوراً الآن مع الأردن.

«دمغة» مطلوبة

هل سينتهي كل هذا الحراك بنتائج ملموسة؟ يتجنب قائد الأوركسترا في الدبلوماسية الأردنية الصفدي الإجابة، وإن مثل هذه الأسئلة، وفقاً للقناعة بأن الوقوف والثبات والتجمد والاستسلام لتداعيات اللحظة كما هي، ليست ضمن الخيارات المتاحة.
وبالمقابل، الضغط على الإدارة الأمريكية أكثر ثم الضغط العنيف على الإدارة الإسرائيلية، هما هدفان بحد ذاتهما ولو من باب مضادات الاستسلام للأمر الواقع وعلى أساس أن الهدف الأمريكي المعلن بمنع توسع الصراع في المنطقة لم يعد مجرد أغنية أو هتاف، بل يحتاج إلى إجراءات عميقة ومهمة، طبيعي أن تبدأ اليوم بالعمل أولاً على وقف العدوان، وثانياً شرعنة قيام دولة فلسطينية، وثالثاً وقف المعاناة الإنسانية في قطاع غزة. في إطار مساندة الدبلوماسية الأردنية، كان وزير الخارجية الأردني الأسبق الدكتور مروان المعشر، قد اقترح على رئيس الاستخبارات الأمريكية وليام بيرنز، صيغة الحل الآمن كما وصفها بحكم الصداقة بينهما بعدما سأل الثاني.
وصفة المعشر كانت باختصار: اذهبوا إلى مجلس الأمن فوراً لاستصدار قرار يعترف بقيام دولة فلسطينية، ثم تبدأ ترتيبات الإطار القانوني السياسي ويصبح منع توسع الصراع منطقياً.
الصحيح في المقابل أن مقترح المعشر لم يسقط من حسابات وزارة الخارجية الأردنية الحالية، ففكرة إعلان مساندة جنوب إفريقيا في لاهاي في أكثر من صيغة شرحها الصفدي نفسه، فيما كانت «القدس العربي» تناقش بعض التفاصيل على أساس صيغة تقترح محاصرة العدوان أخلاقياً وقانونياً، ثم الذهاب إلى مجلس الأمن أو الجمعية العمومية بمهمة أخلاقية ملزمة لهما أو لأي منهما إذا ما قررت محكمة العدل العليا الإجراء الاحترازي أو قررت فرض تدابير لمنع القيام بأعمال الإبادة في غزة.
القضية في لاهاي صلبة ومتماسكة، لكن ذلك وحده لا ينطوي على ضمانات بأن تتخذ محكمة لاهاي القرار المأمول عربياً، لكن المسألة برأي الصفدي بالتأكيد، تساعد وتخلق مناخاً أخلاقياً تعيد ولو قدراً من الاحترام والتقدير للقانون الدولي ولهيبته على أمل أن لا يعيق الاعتراض الأمريكي مثل هذه المهمة النبيلة.
حتى إذا قررت محكمة لاهاي التدبير الوقائي، يمكن لإسرائيل ألا تلتزم كما فعلت روسيا. لكن قراراً من هذا الصنف وصفه، نقلاً عن خبير دولي بارز ومرجعي هو الدكتور عون الخصاونة، بأنه «دمغة» لها أهمية معنوية في مجمل قنوات القضاء والقانون الدوليين.
تلك «الدمغة» مطلوبة من الدبلوماسية الأردنية لا بل تنير دربها الآن ويعتبرها الخبراء خطوة سياسية منتظمة للضغط على إسرائيل بعد تشددها ورفضها وقف العدوان خصوصاً بحكم ما يمكن أن تتيحه قرارات ملزمة للعدل الدولية من مساحات ضغط وعقوبات على إسرائيل حصراً وفقاً لبروتوكولات محكمة العدل الدولية ولو على المستوى الفردي عند الدول الأعضاء.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى