اراء و مقالات

«سردية» نصر الله و«تغريدة» الصفدي… مساحة تقاطع لأول مرة

كيف قرأ العمق الأردني اغتيال العاروري؟

عمان ـ «القدس العربي»: يعيد اغتيال إسرائيل للقائد في حركة حماس صالح العاروري، الدبلوماسية الأردنية إلى «المربع الأول» في «الخشونة» والحرص على إظهار «انزعاج» المؤسسة الأردنية من سلوكيات التأزيم في فلسطين المحتلة. هذه المرة وفي تغريدة له، أضاف وزير الخارجية الأردني أيمن صفدي «لبنان» إلى قائمة «التصعيد لحكومة يمين إسرائيل» وشملت دائرة التصنيف التأزيمي الأردني «الضفة الغربية» بعد قطاع غزة.
في تغريدته وبعد ميل للهدوء الدبلوماسي لأكثر من شهرين، يعود الوزير الصفدي إلى التصريحات الخشنة ضد الإسرائيليين واصفاً، لأول مرة، أن ما حصل مع العاروري ورفاقه بأنه «جريمة» قائلاً إن القتل يتواصل، والأهم أضاف: «سيدفع الجميع ثمن استباحة القانون الدولي وعدم كبح التطرف».
في حنايا عباراته المنتقاة بعناية «إرهاق» أردني ملموس جراء التجاهل الأمريكي لمؤشرات الخشونة الإسرائيلية، لا بل المجازفة بأمن واستقرار المنطقة، الأمر الذي أصبح متلازماً ومقلقاً لكل التشاورات والاجتماعات في غرفة القرار الأردني.
وما تلاحظه أوساط القرار الأردني عموماً أن أطراف المقاومة الفلسطينية تبدو «مرنة» وقابلة للطي والضغط في مواجهة مبادرات، لكن الأمريكيين -كما قال مسؤول أردني بارز لـ «القدس العربي»- يدفعون في اتجاه تمكين الإسرائيليين من «إحباط» ليس فقط الوسطاء العرب في القاهرة والدوحة وجهودهم، ولكن كل مظاهر المرونة والاستجابة التي تحاول إظهارها المقاومة الفلسطينية وحتى اللبنانية مؤخراً.
ثمة من بدأ يخشى في عمان من أن تتأثر شعوب المنطقة بالسردية التي استعملها الشيخ حسن نصر الله مؤخراً عندما قال إن المجتمع والقانون الدوليين كذبة كبيرة، وإن العالم لا يحترم الضعيف، وإن القوة والمناعة بالشجاعة الوطنية والقتال. تلك برأي المستوى السياسي الأردني «وصفة» لصالح المتطرفين، تتغذى اليوم على المجازر التي يرتكبها الإسرائيليون وسط التواطؤ الأمريكي. لذا من الطبيعي أن تبدأ الشعوب بالتأثر بهذه الوقائع التي تكرس العجز العربي.
لذلك، يتجرأ الصفدي ويعلن أن القيادة السياسية في إسرائيل ولإطالة عمرها تجر الغرب إلى حرب إقليمية. واضح أن عمان قرأت اغتيال العاروري في الضاحية الجنوبية على أساس أنه «جريمة هادفة» للتأزيم والتوتير، خصوصاً أنها حصلت بينما يضغط الوسطاء العرب على قادة حركة حماس للقبول بصفقة سياسية. وإظهار الدول العربية مجتمعة بكل هذا العجز، برأي السياسي والقيادي في حزب الميثاق محمد حجوج، لا يخدم أحداً، وبالتأكيد لا يخدم المصالح الأمريكية.

كيف قرأ العمق الأردني اغتيال العاروري؟

زوايا وباطنية تعبيرات تغريدة الوزير الصفدي، مساء الأربعاء، مثيرة ومؤثرة؛ فقد تحدث عن «أجندة متطرفي تل أبيب» التي تقتل في لبنان والضفة الغربية وتستمر في «تدمير غزة».
عملياً، أحالت عملية اغتيال العاروري كل جهود الوسطاء العرب إلى مستودع التجميد، وباتت قناعة عمان على الأقل سياسياً وإجرائياً، راسخة الآن بأن «جهة ما» في الإدارة الأمريكية تعمل على تمكين اليمين الإسرائيلي من الاستمرار في العزف على أوتار التأزيم، بحيث يصبح «امتداد الصراع» إقليمياً وخلافاً لما يعلنه الأمريكيون، نهاية طبيعية لتشدد طاقم اليمين في تل أبيب، وهو ما رده الناشط السياسي الفلسطيني الأمريكي سنان شقديح عندما تناقشت معه «القدس العربي» إلى حرص إدارة البيت الأبيض على «حماية دولة الكيان» والخوف على مستقبلها، ما يدفع في اتجاه تسويات بالجملة يستثمرها نتنياهو والمتشددون متزنرين طبعاً باليمين الأمريكي.
هو خوف يبرز على سطح الحدث لأول مرة على مستوى «فاقع» وما يرهق الأردن ومصر وبقية دول معسكر الاعتدال العربي هو «تلك الفوضى» التي يبثها وينتجها الأمريكي وهو يتخذ إجراءات لصالح إسرائيل انطلاقاً من الخوف عليها بدلاً من الخوف منها ومما تفعله، خصوصاً بعدما أحبط الأمريكيون عدة مرات محاولات أردنية وعربية تؤسس لـ «وقف العدوان».
في ظل الغطاء الأمريكي المنهجي غير القابل للنقاش في التفاصيل، تصبح حتى المهمة التي قرر بلد كالأردن المساعدة فيها وهي «تقوية وتنشيط السلطة الفلسطينية» صعبة للغاية ومعقدة؛ لأن من يضرب السلطة مؤسسياً الآن ويقوضها ويقضي على مسار أوسلو برمته هو نتنياهو وطاقمه، حتى برأي خبير من وزن رئيس مجلس الأعيان الأردني فيصل الفايز.
لم يعد الأمر يتعلق فقط بالتشدد الإسرائيلي وبالحرائق وافتعالها وبسعي عدد محدود من سياسيي إسرائيل للبقاء في السلطة على حساب الجميع، بقدر ما يرتبط الآن بالتداعيات والأثمان الباهظة التي يدفعها المعتدلون العرب خصوصاً اقتصادياً.
وغرفة القرار الأردنية على الأقل فيها اليوم تيار لا يستهان به، يتصور أن الحفاظ على التوازنات في الماضي كان يتطلب إقصاء المقاومة وتكريس التطبيع والسلام، لكنه يتطلب اليوم -بوضوح شديد ولم يعد من المستحسن إنكاره- «صمود وانتصار» المقاومة، الأمر الذي يجعل «رواية وسردية» محور المقاومة في المنطقة هي الأساس، لا بل هي النموذج الذي ينبغي لدول الاعتدال العربي تبنيه لحماية مصالحها، خصوصاً بعدما سقطت اعتبارات القانون الدولي بصورة فجة وقبيحة، وقبل الأمريكيون بذلك في قطاع غزة، لا بل ساهموا في تبريره وتمريره دون أدنى حساب للآخرين خارج نخبة طبقة حكام تل أبيب.
لذلك فقط، وبناء عليه يصدر لأول مرة تصريح من وزير خارجية أردني يعلق على عملية اغتيال قادة عسكريين في حركة حماس التي لا يقيم الأردن أي علاقة معها. فوصف عملية الضاحية الجنوبية في بيروت أردنياً على لسان الوزير الصفدي بأنها «جريمة» لهجة مستجدة وغير مسبوقة في قاموس الدبلوماسية الأردنية. وإن ربط تلك الجريمة بمسلسل «سعي المتشددين الإسرائيليين للبقاء في السلطة» هو عنصر غير مسبوق أيضاً. إن تقديم الأردن الرسمي العزاء رسمياً لجمهورية إيران بضحايا «إرهاب كرمان» يحصل لأول مرة. الأهم والأكثر حساسية هو أن تلمس تلك «المناطق المشتركة» دون قصد أو ترتيب بين «سردية الشيخ نصر الله» وتغريدة ومضمون الوزير الصفدي في نفس الأمسية والساعة تقريباً، مسألة تؤشر على «متغير استثنائي» قد يكون ما بعده أكثر عمقاً.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى