اراء و مقالات

مراجعة الرهانات وتمتين الجبهة الأردنية الداخلية في أغلبية «المداخلات» … ونبض الشارع مع «المقاومة»

عمان ـ «القدس العربي»: يمكن ببساطة لكن بتركيز شديد التقاط ما هو جوهري في رسالة رئيس الوزراء الأردني الأسبق المخضرم أحمد عبيدات والموصوف بأنه أحد كبار السياسيين القلائل المقربين من نبض الشارع وهو يتحدث عن مقاربة جديدة مطلوبة وبإلحاح تداعياً مع معركة «طوفان الأقصى» غربي نهر الأردن وبعنوان وقف الرهانات على العلاقات والتحالفات القديمة. ما اقترحه عبيدات هو العمل ضمن معالجة وطنية داخلية تعمل في اتجاه التعاكس مع ما سماه بالمشروع الصهيوني عبر إعادة النظر برهانات الأردنيين والتركيز على تمتين الجبهة الداخلية.
الوتر الذي عزفه عبيدات في آخر خطاب له هنا في غاية الأهمية، ليس لأنه صادر عن رجل سياسي أمني بخبرات واسعة له مكانة واسعة في الحاضنة الاجتماعية وسبق أن تحدث في عدة لقاءات عن رؤيته وموقفه من مسارات الأحداث خلف ستائر اجتماعات ومشاورات القصر الملكي، لكن لأن عبارة تمتين الجبهة الداخلية ومعها عبارة إعادة النظر أو مراجعة الرهانات والتحالفات القديمة أصبحتا متلازمتين دوماً مع أي خطاب أو مداخلة أردنية عاقلة تحاول الإجابة عن السؤال الذي لا يزال عالقاً في مواجهة تداعيات القصف الإسرائيلي الهمجي ومشاريع التهجير والترحيل في قطاع غزة والضفة الغربية. وفي مواجهة مشروع اليمين الإسرائيلي المعلن، ما الذي ينبغي للأردن، قيادةً وشعباً، أن يفعله؟ هذا السؤال كان ولا يزال حرجاً في مجمل أي تحليل أو قراءة للمستجدات الطارئة التي تطالب الأردن باستجابات خارقة للمألوف والعادة.
والحديث هنا طبعاً في الرهانات التي قصدها عبيدات عن المألوف والعادة في مسألة الشراكة والسلام مع إسرائيل، التي انقلبت على الأردن بكل المعايير والمواصفات وسط تنامي الشعور بأن التلغيز الذي لمح له مخضرم آخر يوماً هو رئيس الوزراء الأسبق عبد الرؤوف الروابدة بعنوان «نظام بديل وليس وطناً بديلاً فقط». طبعاً، يضم سياسي آخر رفيع المستوى هو الدكتور ممدوح العبادي، للمرة الخامسة على التوالي، صوته إلى القائلين بوضوح وصراحة في مسألة الرهانات إن المطلوب بعد معركة طوفان الأقصى هو إقامة علاقات مع محور المقاومة.. «لم يعد المشهد مرتبطاً بحسابات سياسية ترفية».

نبض الشارع… المقاومة

نبض الشارع الأردني يقول اليوم إن المصلحة هي مع محور المقاومة، ونبض بعض السياسيين حتى من أبناء السلطة والدولة والنظام يقول بضرورة التنويع في إطار التحالفات السياسية. ومرد ذلك في الواقع ليس اليمين الإسرائيلي الذي تمكن من السيطرة على الدولة العميقة في الكيان بعد ابتلاعها، لكن الأهم في هذه الجزئية هي تلك التحديات التي يفرضها الغطاء الأمريكي من بعد يوم 7 أكتوبر على اليمين الإسرائيلي ويوفر له التسهيلات، لا بل يموله ويذخره في المعركة الحالية التي قد تنتهي بالسيناريو الذي يرعب الأردنيين جميعاً، وهو التهجير. ودلالات ذلك التهجير إذا ما حصل وتم تمريره في قطاع غزة ثم انتقل مع الصراع نفسه إلى الضفة الغربية ثم الضفة الشرقية من نهر الأردن، لحظتها تبدأ حالة السهر الطويل التي سبق أن اقترحها رئيس مجلس النواب الأسبق سعد هايل السرور مجدداً.
هنا تبرز سلسلة نصائح من خبراء أساسيين كان من بينهم القيادي البارز مؤخراً في حركة فتح عباس زكي، وهو يحذر الأردن مجدداً بـ «عنوان التهجير في الضفة الغربية قائم». و»التحريك الديموغرافي يحصل الآن» والمطلوب هو الانتقال إلى مقاربة أردنية تحمي الذات والشعب الفلسطيني معاً وبخطوات سريعة. ما قاله عملياً الرئيس عبيدات وهو يشرف على افتتاح مشروع إعادة ترميم مضافة الشيخ قويدر عبيدات أحد رجالات القرن الماضي في دعم المقاومة الفلسطينية، شيء مماثل وشبيه في إعادة حساب الرهانات. لكن السؤال هو: هل هذه الدعوات منطقية بعد عقود من التحالف مع الإدارة الأمريكية ثم 3 عقود على الأقل من توقيع اتفاقية وادي عربة؟ يطرح السؤال في وقت يعلو فيه صوت مخضرم آخر له رأي مختلف هو رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز، قائلاً إن الأردن ينبغي أن لا يطالب بخطوات فيها مغامرات أو تنطوي على مجازفات رافعاً في آخر إطلالاته التلفزيونية شعاراً يقول إن الأردن لا يستطيع لأسباب مالية الاستغناء عن اتفاقية الغاز، مع تلميح لوجود طابور خامس.
عملياً، لم يعرف الرئيس الفايز ماهية وملامح الطابور الخامس الذي قصده في حديث تلفزيوني له بث مؤخراً، لكن العبارة أنتجت بعض الضجيج؛ لأن حالة سباق نخبوية بدأت ترصد في إطار الحديث عن صنف الرهانات التي ينبغي أن ينتقل لها الأردن، والحديث الموازي عن هوية هؤلاء الموصوفين بالطابور الخامس، حتى إن إحدى المنصات الإلكترونية أشارت وعبر الخبير الاقتصادي والسياسي الدكتور أنور الخفش وبلسانه، إلى أن المطلوب من رئيس مجلس الأعيان هو تعريف من هم الطابور الخامس وأين هم موجودون اليوم؟

النخبة السياسية

في كل حال، لا يبدو أن النخبة السياسية وتحديداً في نادي أعضاء رؤساء الوزارات في الماضي، متوحدة إزاء فهم حجم الاستجابات المطلوبة وحجم الاحتياجات والتحديات، لكن الإجماع ملموس وسط غالبية هؤلاء بأن التحديات كبيرة وأن الانقلاب الإسرائيلي اليميني المدعوم بغطاء أمريكي اليوم وأحياناً بغطاء من بعض الدول الغربية، ليس على أهل قطاع غزة، لكن على أهل الضفة الغربية، هو من التحديات الأساسية لجوهر فكرة ومشروع الأردن، وليس فقط من التحديات التي تبعد وتعزل أي عملية سلام مفترضة.
الإجماع ملموس ولا يمكن إنكاره على الهواجس والمخاوف اليوم، ومراكز صناعة القرار تحت ضغط ليس الشارع الأردني ولا الأطياف التي كانت تحذر من الاسترسال من التطبيع والرهان على الإسرائيليين والأمريكيين، لا بل تحت ضغط التحديات التي يفرضها على المؤسسة يمين إسرائيل مع تجاهل الأمريكيين. لذلك، فإن خيارات التحرك ضيقة، والفلسفة التي اقترحها يوماً وزير الإعلام الخبير الأسبق صخر دودين تحت عنوان «إعادة تدوير الزوايا» قد لا تصلح للاستمرار في إدارة الصراع؛ لأن واحدة من تجليات معركة طوفان الأقصى أنها تشهد بعدم وجود «زوايا» أصلاً أمام لاعبي الإقليم.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى