“تهدئة” مع الإسلاميين في الأردن… ومطالب بالعودة للداخل
التزام حزب “الأمة”، عبر تعديلات قانونية، بالحاكمية القانونية، هو الذي خفف من حدة الشكوك السياسية، ومنح التيار الإسلامي فرصة تمثلت بقرارات الإفراج

عمان – “القدس العربي”: لا شكوك بأن قرار السلطات الأردنية الإفراج عن مسجونين وموقوفين ومتهمين أمنيين وسياسيين من جمعية الإخوان المحظورة عشية عطلة عيد الأضحى المبارك، قرار سياسي يؤشر على انفراجة سياسية محسوبة، شريطة ألّا يفسرها الإسلاميون أنفسهم خارج السياق.
فالمقاربة الإنسانية، التي لها “أهداف سياسية”، ينبغي ألَّا يبالغ المراقبون في قراءتها بعيداً عن السياق.
قد يكون من بين الأهداف قدر من “التليين” مع حركة “حماس” بعد الإفراج عن 3 من عناصرها موقوفين منذ وقت طويل إلى جانب مؤشرات الليونة مع حزب “الأمة”، بصفته التعبير القانوني المباشر، الذي تقدمه السلطات كواجهة للتعبير عن التيار الإسلامي.
التزام حزب “الأمة”، عبر تعديلات قانونية، بالحاكمية القانونية، هو الذي خفف من حدة الشكوك السياسية، ومنح التيار الإسلامي فرصة تمثلت بقرارات الإفراج
التزام حزب “الأمة”، عبر تعديلات قانونية، بالحاكمية القانونية، هو الذي خفف من حدة الشكوك السياسية، ومنح التيار الإسلامي فرصة تمثلت بقرارات الإفراج التي شملت أكثر من 12 موقوفاً، بينهم بعض قادة الجمعية المحظورة.
وفي زاوية أبعد عن التفصيلات المباشرة، يرحب سياسيون بما يسميه السياسي، ممدوح العبادي، بمناخات “التصالح الوطنية” مع الإسلاميين وغيرهم، بمعنى إزالة مخلفات التجاذب والخلاف بين قوى الداخل والتطلع للأمام والمستقبل.
الفرصة مواتية الآن بسبب حالة السيولة الإستراتيجية التي تجتاح المنطقة واحتمالات تغيير تضاريسها الجيوسياسية للعودة برأي السياسي محمد الحلايقة إلى الجبهة الداخلية وتمتينها ومعالجة بعض الاحتقانات التي برزت مؤخراً.
الحلايقة يعيد تذكير الجميع في المعارضة والمؤسسات والبرلمان، بأن مصالح الأردن ودولته فوق كل الاعتبارات، بما في ذلك الاستقطاب والخلاف والتجاذب السياسي.
وعليه، قرارات الإفراج عن بعض النشطاء السياسيين والأمنيين الموقوفين عشية العيد خطوة مباركة بتقدير حلايقة.
لكن ما ينبغي التركيز عليه لاحقاً هو تأثير مثل هذه الخطوة على حالة استقرار داخلية صلبة تتطلبها احتياجات الدولة وهموم الناس في مرحلة صعبة ومعقدة.
ويرى الحلايقة أن العودة إلى حماية وتحصين الجبهة الداخلية أصبحت متلازمة وطنية بحكم الظروف العامة، خصوصاً إذا ما عادت مناخات التصعيد العسكري للإقليم، وقرر الأمريكيون والإسرائيليون العدوان مجدداً على الجمهورية الإيرانية، الأمر الذي سيخلط الأوراق، ويدفع باتجاه أزمة الطاقة وأزمة غذاء.
يرى الحلايقة أن العودة إلى حماية وتحصين الجبهة الداخلية أصبحت متلازمة وطنية بحكم الظروف العامة، خصوصاً إذا ما عادت مناخات التصعيد العسكري للإقليم
وهو منطق سبق أن حذرت منه وزيرة الطاقة الأردنية السابقة، هالة زواتي، إذ اعتبرت أن التداعيات لا تقف عند حدود ارتفاع جديد متوقع وكبير في أسعار النفط والمحروقات، بل إن أزمة غذاء قادمة لا محالة في الطريق جراء مشكلات تصنيع وتوريد وتصدير الأسمدة، وثمة مشكلات في القطاعات الزراعية والغذائية.
ما قالته زواتي هو أن أزمة غذاء ستضرب أركان معادلة الأمن الغذائي قريباً، ولا بد من الاستعداد لها باتخاذ تدابير وإجراءات استثنائية تلائم الأزمة التي تخلط ملف الغذاء بملف الطاقة جراء الحرب والتصعيد.
تلك الزوايا مهمة جداً في قراءة المشهد جيوسياسياً، وفقاً للحلايقة الذي يعتبر أن الاستجابة والاحتواء والتعامل مع الظروف القاسية والأوراق المختلطة تتطلب العودة إلى الداخل الأردني في مساحة قد تساهم خطوة الإفراج عن معتقلين سياسيين وأمنيين عشية العيد في إسنادها ودعمها.
الدلالات هنا مهمة ومفيدة لأن “أجواء الانفتاح” تبدأ بالإسلاميين ولا تقف عندهم أو تنتهي بهم، حيث يشكل عنصر التوحيد الأهم ظرفياً في مواجهة المخاطر التي يعلنها اليمين الإسرائيلي المتطرف، بحسب ما يؤكد العبادي الذي يؤمن بعدم وجود ضمانات كافية تردع إسرائيل أو تمنعها من استغلال الظروف العامة في المنطقة والإقليم للمساس بالأردن شعباً ودولة، ولإنهاض فكرة منهجها التوسعي ليس في لبنان وسوريا والعراق فقط، بل في الأردن أيضاً.
بعض الأوساط المختصة تقرأ إشارات الإفراج بكفالة عن نشطاء الحركة الإسلامية، باعتبارها نقطة تحول مطلوبة وملحة “قابلة للتطوير” لصالح إعادة التوافق والتعاون الوطني
بعض الأوساط المختصة تقرأ إشارات الإفراج بكفالة عن نشطاء الحركة الإسلامية، باعتبارها نقطة تحول مطلوبة وملحة “قابلة للتطوير” لصالح إعادة التوافق والتعاون الوطني، خصوصاً إذا تطلبت مصالح أبعد التراجع نسبياً عن مسار التحديث السياسي.
التفاعل مع التيار الوطني الإسلامي أصبح ضمن معادلة مشروطة ومقيدة في العديد من الاعتبارات، وقد يكون أهمها الالتزام بالحاكمية القانونية ومراقبة أداء كتلة حزب “الأمة” تحت قبة البرلمان، خصوصاً في الأسابيع المقبلة وخلال دورة استثنائية صيفية متوقعة لمجلس النواب تناقش التشريعات المهمة بالنسبة للحكومة.
تطوير الانفراج والانفتاح السياسي هنا قد يؤسس فهماً مختلفاً لطبيعة التحديات الراهنة من وجهة نظر الدوائر المرجعية للقرار المركزي في إدارة السياسة الأردنية. وقد لا يقف الأمر لاحقاً عند محطة تهدئة عامة مع الإسلاميين تدلل عليها إفراجات العيد فقط، بل إن إعادة صياغة الحالة المؤسسية وإجراء تغييرات قد تكون هيكلية في المرحلة المقبلة، لا سيما بعد انتهاء فعاليات دورة استثنائية للبرلمان.
