اراء و مقالات

مفارقة «أردنية»: «نواب» ضد «الانتخاب»

 هل ستجد الحكومة مئات الأشخاص ذوي كفاءة من خلفيات منتخبة سابقا لتكليفهم بإدارة مجالس المحافظات التي تخدم الإطار التنموي في البلديات؟

السؤال الذي لا تجيب عليه الحكومة الأردنية بصراحة وشفافية بعدما أحالت قانون الإدارة المحلية الجديد بالصيغة التالية: هل ستجد الحكومة مئات الأشخاص ذوي كفاءة من خلفيات منتخبة سابقا لتكليفهم بإدارة مجالس المحافظات التي تخدم الإطار التنموي في البلديات؟
سؤال فني وتقني بالمقام الأول.
لكن الإجابة عليه تحتمل التأويل السياسي.
ما تقوله الحكومة ووزيرها المختص في سياق ملف الإدارة المحلية إنها ستوقف آلية الاقتراع المباشر لمجالس المحافظات وتستبدلها ببدعة ديمقراطية جديدة فكرتها اختيار أعضاء مجالس المحافظات من أصحاب خبرة ذوي خلفيات انتخابية.
المقصود هنا عندما سألنا عن التفسير تبين أن المقصود تكليف بعض أبناء المجتمع المحلي في 12 محافظة من الذين سبق انتخابهم أو لديهم خلفيات انتخابية بدلا من خوض انتخابات حقيقية بإشراف الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات كما حصل مرتين.
لا تقول الحكومة لماذا تفعل ذلك ولا ماهي مشكلتها مع «الانتخاب المباشر» ولا كيف سيستفيد الوطن من المقترحات.
المقصود هنا شرائح منتخبين سابقا من غرف التجارة والصناعة وممكن من البرلمان والبلديات وحتى أندية رياضية وسياحية وثقافية… هؤلاء سيتم الاختيار منهم وتكليفهم بمجالس المحافظات.
قررت الحكومة استبدال الاقتراع المباشر في الصناديق للمرشحين لتلك المجالس بتقنية غريبة إلى حد ما، معناها التنقيب في دفاتر الماضي لإيجاد أشخاص سبق لهم أن خاضوا تجربة الانتخاب وتكليفهم بمعنى التعيين الإداري بإدارة مجالس كان يفترض أنها منتخبة لا بل أصرت نصوص وثيقة إصلاح الإدارة المحلية الصادرة عن مسارات التحديث على أن تستمر منتخبة.
هذه التقنية غريبة وغامضة الأهداف.
لكن المهم ما يقوله الخبراء عن الحاجة الملحة بعد إقرار هذا القانون بصيغته الحالية لتوفير مئات من الأسماء لأشخاص بخلفيات منتخبة.
تلك بدون لف ودوران عملية «تعيين» تبقي سيطرة «الوزارة « على كل الحيثيات والتفصيلات في أعمال البلديات دون حتى أدنى ضمانة بإيجاد أشخاص لديهم خبرة حقيقية بالعمل البلدي.
يضعف ذلك ضمنا هؤلاء الأشخاص أنفسهم فهم يتحولون من واجب المواطن المنتخب بالاقتراع المباشر إلى القيام بمهام تكليفية ناتجة عن قرارات تعيين أساسها خبرتهم السابقة خلافا لأنه يضعف المجالس ذاتها والعمل البلدي والتنموي والحكومي وكل الأطراف.

 هل ستجد الحكومة مئات الأشخاص ذوي كفاءة من خلفيات منتخبة سابقا لتكليفهم بإدارة مجالس المحافظات التي تخدم الإطار التنموي في البلديات؟

ما يشير له الخبراء عدم وجود عدد كاف فعلا في عدة مدن ومحافظات من أشخاص منتخبين سابقا ولديهم خبرة في العمل البلدي.
سياسي أردني رفيع المستوى وواسع الخبرة والحيلة سأل عما إذا كان من المفيد تكليف شخص سبق أن انتخب بغرفة التجارة أو في غرفة الصناعة أو في نوادي القلم والأندية الرياضية بموقع متقدم في مجلس محافظة له إطار وسياق تنموي ضمن مشروع كان اسمه اللامركزية الإدارية وسقط الآن في كل بساطة وبدون شروحات.
السؤال هنا يصبح: هل يخدم في هذه المجالس أشخاص بخبرة صناعية أو تجارية أو رياضية أو أهلية فيما المطلوب معنيون بالعمل البلدي وخبراء فيه ضروري جدا تقييم أدائهم ومحاسبتهم على أساس الصندوق وليس التعيين الإداري.
تلك لعبة غير مسبوقة الهدف الواضح المرجح لها ومنها هو السيطرة على مجالس المحافظات وإنفاق الميزانيات المالية المخصصة عبر تلك السيطرة وفي النتيجة إضعاف ليس الديمقراطية والاقتراع المباشر فقط ولكن مسارات التحديث التي ثقب المواطنون عموما آذانهم بانتظار وعودها وتقمع حتى قبل الولادة والاستقرار إجرائيا.
الغريب أن الحكومة مررت هذا القانون إلى مجلس النواب دون شرح وتوضيح الأسباب الموجبة لفكرتها.
الأكثر غرابة في سياق مشهد ترتيبات الحكومة للملف هو موقف مجلس النواب وعدد لا يستهان به من نواب الوسط الذين يزاود بعضهم بوضوح على الحكومة في مسألة الفارق ما بين التعيين والانتخاب ويحاولون التنظير لفكرة أن المعين من قبل الجهاز الإداري للحكومة أفضل من المنتخب في محاسبته ومساءلته ومعاقبته.
هؤلاء نواب تم انتخابهم في الاقتراع المباشر ويريدون حجب حقوق التمثيل عن قواعدهم الانتخابية في المجال البلدي.
بعض أصوات النواب بدأت فعلا توافق الحكومة ليس فقط في جزئية التعيين في مجالس المحافظات.
ولكن في سيناريو «تعيين» رؤساء بلديات كبرى بدلا من انتخابهم وفي ترويج فكرة تعميم ما يحصل في العاصمة عمان على بقية المدن الكبرى.
السبب حساسيات وحسابات ومصالح تنافسية والموقف نكاية بالشخصيات الاعتبارية القوية التي تتصدر رئاسة البلديات بالانتخاب المباشر.
همس في أذن كاتب السطور برلماني من أركان المجلس قائلا بأن المشكلة ليست فقط في ما تريده الحكومة أو ترسله من نصوص للمجلس بل في أصوات تحت قبة البرلمان تريد دعم وإسناد فكرة تعيين رؤساء البلديات الكبرى.
المعنى هنا: من انتخبهم الشعب يحاولون حرمانه في الواقع في بعض الدوائر الانتخابية ومن حقه في التصويت وانتخاب مرشحين لرؤساء للبلديات أيضا خصوصا في مدن الكثافة السكانية الكبرى.
بدلا من الإصرار على «انتخاب رئيس بلدية عمان» الجهد النيابي هنا يريد نقل التجربة إلى المحافظات الأخرى.

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading