أسئلة الحرب وتداعياتها لا تتوقف عند الأردنيين: أين نتموقع… ومن هو «العدو أكثر»… وكيف نعد استجابات؟
رغم إطلاقات صواريخ الحرس الثوري على الأراضي الأردنية في 3 جولات التزمت البيانات العسكرية والمهنية بنص يذكر ما حصل فقط بدون زيادة أو نقصان.

عمان ـ «القدس العربي»: الاستفسار الذي يتحول إلى «هوس» تنشغل به النخب السياسية والرسمية الأردنية طوال الوقت عاد للتجول في عمان بالصيغة التالية: إذا عادت الحرب ضد إيران مجددا وكانت «أعنف» كما يتوقع الجميع…أين تتموقع خريطة المصالح الأردنية؟
الإجابة على السؤال متنوعة وليست موحدة والصيغة يرى بعض النشطاء أنها «ترفية» لأن موقع الأردن التحالفي بالرغم من تهديدات إيران بـ«توسيع العمليات الحربية» في المنطقة معروف ومفهوم مسبقا.
اختصر الطبيب المسيس الدكتور منذر حوارات في مقال جديد له الأسبوع الماضي مساحة النقاش التجاذبي عندما خلص إلى أن «الأردن لا يريد الانخراط في الحرب لكنه يتأثر بنتائجها دوما».
الفكرة هنا أن أطراف الصراع في الاشتباك لا تبدو «مهتمة» بتعزيز مساحة الحياد العملياتي والتكتيكي الأردني أو لنقل أنها «غير معنية» وإن بقيت المؤسسة الرسمية في عمان تصر على معادلة بفكرتين، الأولى تتطلب إبعاد المملكة عن مناطق الاشتباك والصراع كما يقدر الخبير السياسي الدكتور جواد العناني وهو يتحدث لـ«القدس العربي». والفكرة الثانية البقاء في منطقة «دفاعية» عملياتيا بمعنى توفير قدرة تقنية على التصدي لأي إطلاقات صواريخ إيرانية تستهدف الأراضي الأردنية.
أين يجلس الأردن؟ سؤال مطروح مجددا بقوة سياسيا وإعلاميا الآن.
والإجابة عليه حمالة أوجه.
واضح أن الرأي العام الأردني ونبض الشارع لا يرغبان بأي تورط بسبب الحسابات المتعلقة باحتمالية استفادة «العدو الإسرائيلي» من الصراع. وهو ما يؤكد عليه المحلل السياسي الإسلامي الدكتور رامي العياصرة الذي يرى بأن المشروع الإيراني ليس مريحا بالنسبة لغالبية الشعب الأردني والاعتداء على الأردن مرفوض في كل الأحوال لكن الجمهور عموما يرتاب بالحرب الأمريكية ضد إيران ويتعاطف مع الإيرانيين بسبب جرائم الإبادة في غزة.
مركز القرار في الحكومة الأردنية عليه الانتباه برأي العياصرة إلى مستوى الكراهية الكبير التي يختزنها الأردني ويحفظها في مواجهة الكيان الإسرائيلي ولاحقا السياسة الأمريكية عموما في الإقليم.
الفارق السياسي والإستراتيجي والسيادي حساس للغاية بين عدو محتمل بعيد في الجغرافيا ولا أطماع مباشرة يعلنها ضد الأردنيين وبين عدو على أكتاف الحدود ويعلن أطماعا.
وهنا حصرا يحضر في وجدان الأردنيين وفقا للعياصرة سيناريو التخطيط لحل القضية الفلسطينية على حساب الأردن والأردنيين.
تصنيفات الخصومة والعداوة في ذهن الأردنيين واضحة في قياسات الناشط السياسي محمد خلف الحديد، ولا أحد ينافس الكيان والولايات المتحدة على الصدارة هنا بالرغم من جملة ارتياب مستقرة منذ عقود، عنوانها إيران وتصرفاتها ضد «أهل السنة» في العراق وسوريا. عمليا لا يوجد في سياق النخبة والصالونات السياسية الأردنية مرحليا إلا نقاشات تحاول الإجابة على السؤال التالي: أيهما أخطر على المملكة المشروع الإيراني أم المشروع الإسرائيلي؟
الإجابة التي يلجأ لها الجميع كملاذ هي تلك التي تقول «كلاهما خطر».
لكن في مقايسات تقدير حجم الخطورة يمكن القول إن المخاوف العلنية التي تعبر عنها رموز الدولة الأردنية وممثلوها مثل وزير الخارجية أيمن الصفدي تتكثف في المربع الإسرائيلي أكثر من ذكر إيران.
إيران في الخطاب الدبلوماسي والإعلامي الرسمي الأردني تذكر في تصريحات مقتضبة وعبارات مدروسة للغاية. صواريخ إيران «معتدية» وغير مبررة في القاموس السياسي والقانوني والدبلوماسي الأردني. لكن إيران لم تصنف بعد باعتبارها دولة معادية.
رغم إطلاقات صواريخ الحرس الثوري على الأراضي الأردنية في 3 جولات التزمت البيانات العسكرية والمهنية بنص يذكر ما حصل فقط بدون زيادة أو نقصان.
وفي التواصل الأخير بين الصفدي ونظيره الإيراني عباس عراقجي في نيويورك وقفت عمان عند حدود عرض وجهة نظرها ومطالبة طهران بوقف الاعتداءات ثم التعبير عن «مخاوف وهواجس» مقلقة للأمن القومي والوطني والحدودي مرتبطة بتداعيات عودة الحرب على إيران.
والتداعيات ليست فقط عسكرية أو أمنية، وتقدير المطبخ الأردني مبكرا بأن الأوضاع منفلتة في جنوب لبنان وجنوب سوريا وقد تنفلت في العراق.
الحرب أردنيا أيضا عنصر ضاغط كبير على إدارة الموارد وكل أصناف الأمن المائي والغذائي وأمن الطاقة، وعمان تنشط حاليا في وضع «بروتوكولات طوارئ» تحتاط لأسوأ سيناريوهات التصعيد.
لذلك أسئلة الحرب في الشارع الأردني لا تنتهي. وكل النشطاء عمليا يطرحونها ويمكن رصدها في ثنايا تعليقات المواطنين والخبراء معا على منصات التواصل الاجتماعي.
التموقع بمعناه الإستراتيجي سؤال صعب ومعقد برأي الحديد والعياصرة. لكن الثابت حتى الآن أن الأردن يدير بطريقة مبضع الجراح وتوازناته في المسألة الإيرانية.
وجود المزيد من القوات والمعدات العسكرية الأمريكية في الأراضي الأردنية لم يرافقه إطلاقا خطاب تحريضي على مستوى الإعلام الرسمي.
والاشتباك الذي تمارسه وزارة الخارجية وفريقها على الأقل ذلك الذي يقول إن عمان ترغب بتبادل الملاحظات مع طهران وتوصيل الرسائل، لا بل تستخدم القنوات المعتدلة التي يمكن استثمارها في تبادل الملاحظات والرسائل وهو على الأرجح ما فعله الوزير الصفدي في نيويورك مؤخرا عندما التقى لأكثر من 40 دقيقة نظيره الإيراني.
