اراء و مقالات

الأردن: مياه الشرع بدلاً من “حصة نتنياهو”… ما هي كلفة “الدعم الفني الأمريكي”؟

لا أحد يعلم ما هي كلفة وجود الخبرة الأمريكية في مسار الدعم الفني لضمان إدارة البيانات وإتاحتها للبلدين

“نثمن الدعم الفني لحكومة الولايات المتحدة بخصوص تعزيز ضمان أمن إدارة البيانات وإتاحتها للبلدين”، تلك العبارة وردت في التصريح الرسمي الذي صدر ظهر الأربعاء على لسان وزير المياه الأردني المهندس رائد أبو السعود، وهو يعلن بحضور معاون وزير الطاقة السوري، أسامة أبو زيد، عن إطلاق ما سميت بالمنصة المشتركة لإدارة الموارد المائية بين البلدين، وهو ما يشير إلى أنه، ولأول مرة، باسم منصة إدارة المياه الثنائية، تسجل ملحوظة سياسية بامتياز فكرتها أن الولايات المتحدة لا تقف عند توفير الغطاء السياسي لمشروع تقاسم المياه بين الأردن وسوريا، بل تدعم وقد تكون الجهة المشرفة على خطة حماية البيانات لتلك المشاريع المائية.

 تطرح المفارقة هنا سؤالا له صلة مباشرة بمجمل مناخ التصعيد في المنطقة مفاده: هل الولايات المتحدة تمثل جهة موثوقة، في حال وجودها تحت غطاء فني وإشرافي على بيانات إدارة الموارد المائية بين الأردن وسوريأ؟

 ذلك سؤال صعب ومعقد، لأنه يستنسخ في الواقع استفسارا استنكاريا آخر، له علاقة بوجود الولايات المتحدة في غرفة العمليات المائية، الأمر الذي يعني سياسيا وليس فنيا وجود اللاعب الإسرائيلي الخبيث. ثمة تجربة مؤلمة للأردنيين مع “الغاز الإسرائيلي”. وهنا يمكن استذكار ما أبلغه مبكرا لـ”القدس العربي” أحد أبرز الخبراء في ملف المياه، وهو الدكتور دريد المحاسنة، عندما اعتبر أن حكومة اليمين الإسرائيلي لديها شغف قديم متجدد بعنوان السيطرة على موارد المياه في دول جوار فلسطين المحتلة.

لا أحد يعلم ما هي كلفة وجود الخبرة الأمريكية في مسار الدعم الفني لضمان إدارة البيانات وإتاحتها للبلدين

عمليا لا أحد يعلم ما هي كلفة وجود الخبرة الأمريكية في مسار الدعم الفني لضمان إدارة البيانات وإتاحتها للبلدين. لكن وزير المياه الأردني أبو السعود، اعتبر أن الدعم الفني الأمريكي هنا أسهم في تطوير تلك المنصة مما يفيد في توفير مظلة عمليات لتعزيز الاستدامة المائية.

 قبل ذلك كان، قد تحدث بجرأة وشجاعة تحسب له، عن التحديات المائية لبلاده. لا بل ألمح علنا مرتين على الأقل إلى أن قرار إسرائيل بحجب حصة المياه الأردنية والتي تبلغ نحو 5% فقط من احتياجات الأردن دفع طاقم ووزارته للبحث عن بدائل وتوفير ضمانات تعزيز الحصاد المائي للمواطنين. ما يعني الحرص على توفير البدائل المائية في نطاق إستراتيجية عمل مبرمجة.

 لكن الأهم بعد السؤال المتعلق بكلفة ما يسمى بالدعم الفني الأمريكي لضمان إدارة البيانات، أن إطلاق مشروع منصة المياه بين عمان ودمشق وفي فعالية رسمية حدث سياسي وتكنوقراطي وبيروقراطي متقدم بامتياز حيث السوابق نادرة في مثل هذه المنصات، خصوصا وأن وزارة الخارجية السورية تحدثت عن أوامر مباشرة من الرئيس أحمد الشرع، لتقاسم المياه مع الأردن.

العلاقات تخضع للمأسسة الآن في محور عمان – دمشق وتتجه نحو مسارات استراتيجية عميقة، فيما الغطاء السياسي المرجعي في البلدين يقدم رعاية قصوى لكل البروتوكولات التي يتم الاتفاق عليها بين الحكومتين تحت سقف مجلس التنسيق الأعلى الثنائي. إطلاق منصة المياه الثنائية سابقة إجرائية وفنية وسياسية في العلاقات بين البلدين، تعني أن بعض المياه ستتدفق في أحواض الأردن من الجانب السوري. وفيما أطلقت المنصة بمعنى إقامة غرفة عمليات مشتركة لإدارة وإدامة الموارد المائية، كان الغاز الذي يتم تصديره من الأردن سببا مباشرا أمس الأول فيما وصفته صحيفة “عمون” إضاءة العاصمة دمشق ولمدة 48 ساعة متواصلة ولأول مرة منذ عام 2011 .

 الخطوات التي تقطع في محور عمان دمشق كبيرة وغير مسبوقة ليس في مجال إنارة الكهرباء في سوريا ولا تقاسم المياه فقط، ولكن ضمن مسارات حظيت بالغطاء في مجالات محددة حيوية من بينها التنسيق الأمني والحدودي وقطاع النقل والبنية التحتية.  في ملف المياه حصرا الإعلان عن إطلاق المنصة الثنائية بدعم فني أمريكي هذه المرة حدث لا يمكن تجاهله حتى في عمق الحسابات السياسية، لأن ما يقوله هذا الحدث هو أن الشرع تقدم لتعزيز الأمن المائي الأردني ولو بنسبة محدودة، ثم قررت دمشق توفير حصة مياه للأردن بدلا من تلك الحصة التي حجبها علنا بنيامين نتنياهو .

ما يدلل على أن خطوة إطلاق المنصة جزء من استراتيجية تكاملية أن الوزير أبو السعودة تحدث عن حوكمة القطاع في البلدين

ما يدلل على أن خطوة إطلاق المنصة جزء من استراتيجية تكاملية أن الوزير أبو السعودة تحدث عن حوكمة القطاع في البلدين، وعن عملية تنسيق لإدارة المياه المشتركة . ذلك لا يعني إلا أن الولايات المتحدة، وعن بعد، تدعم حالة ثنائية شبه تكاملية  بين الأردن وسوريا تتجاوز فكرة تطبيع العلاقات وقد تصل إلى الربط الكهربائي بعد تنسيق الإدارة المشتركة لمصادر المياه.  ذلك حتما وبالتأكيد جزء من مخطط سياسي شمولي أكثر.

 والعملية تترافق مع إشادة علنية جديدة الأسبوع الماضي بدور الأردن الأساسي في استقرار المنطقة صدرت بلسان المبعوث الأمريكي للملف لسوري توم براك. وفي الخلاصة الرعاية الأمريكية ولو عن بعد حتى اللحظة لمشاريع تكاملية بين الأردن وسوريا جزئية مهمة في مشروع تركيب أو إعادة تركيب تحالفات وشراكات المنطقة. يبدو أن كلا من عمان ودمشق مستفيدتان ما دام الأمريكي في موقع القدرة على السيطرة عند بروز شغب ومناكفة من جانب من يصفه الدكتور المحاسنة بـ ” الجار الإسرائيلي السيىء”.

 

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading