أنقرة ـ عمّان خلال الحرب: «فتور» أم «كمون تكتيكي»؟

عمان ـ «القدس العربي»: لا ترصد في الإيقاع السياسي والدبلوماسي الأردني وصفة جاهزة أو متفق عليها بالحد الأدنى لترسيم شكل العلاقة مع تركيا، تحديدا بعد النتائج والتداعيات التي فرضتها الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، والتي أصبحت تجاذباتها وانعكاساتها مضمونا سياسيا واستراتيجيا لا يمكن لتركيا والأردن تجاهله، خصوصا عندما يتعلق الأمر بـ«منظومة الأمن القومي». لاحظ الجميع مؤخرا أن الدبلوماسية الأردنية وخلال نحو 40 يوما من حرب الصواريخ المعروفة ضد إيران لم تسجل، علنا على الأقل، اندفاعات مباشرة في اتجاه أنقرة.
ولاحظ الجميع أن مستوى التنسيق الثنائي الدائم بين وزيري الخارجية أيمن الصفدي وهاكان فيدان انخفض أو توارى عن أنظار الإعلام خلال كل مراحل التصعيد العسكري ضد إيران لأسباب لا تزال غامضة في الواقع، فيما كانت البوصلة الأردنية تدين الاعتداءات الإيرانية غير المبررة على الأردن وبقية الدول العربية وتحديدا الخليجية وتظهر جملة استثنائية من التضامن مع دول الخليج تحديدا.
الثقة بين الجانبين تمت استعادتها بصعوبة في العامين الأخيرين وتوجت بسلسلة من الاتصالات المرتبطة حصرا بـ«سوريا الجديدة».
لكن تلك الاتصالات التنسيقية توارت قليلا عن الأضواء وخضعت لمعايير الكمون التكتيكي، فيما يبدو لأغراض الاستكشاف على الأرجح وإظهار الفارق بين الأبيض والأسود في الإقليم.
عمليا انتهت حزمة التواصل الاستراتيجي قبل الحرب بين الأردن وتركيا بالمشهد الشهير الذي يقلد فيه الملك عبد الله الثاني الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قلادة الثورة العربية الكبرى. تلك كانت إشارة مبكرة قبل الحرب الأخيرة على أن الجانبين يتجاوزان كل الحساسيات في الماضي، وإن كان الفتور الذي اعترى الاتصالات بعد الحرب على إيران وخلالها يحتاج دبلوماسيا للتأويل والتفسير، إلا إذا كان الهدف البقاء في حالة تواصل مع اردوغان وطاقمه أردنيا، لكن خلف الأضواء والستائر والكواليس تحسبا لتعقيدات يمكن تشخيصها .
بين تلك التعقيدات الأزمة المتفاعلة بين تل أبيب وأنقرة حاليا وحسابات ما بعد الحرب والتصعيد العسكري، ومستويات التشاور غير المتوقعة والضخمة مرحليا بين تركيا اردوغان وجمهورية مصر.
في المساحات المشتركة يمكن القول إن أبرز عنصر في المساحة المشتركة هو دعم الإدارة السورية الجديدة وإسناد الرئيس أحمد الشرع. ذلك هدف يحظى بالأولوية في كل من عمان وأنقرة معا.
لكن العاصمة الأردنية فيما يبدو لديها بعض التحفظ على سيناريو الطموح التركي القديم الخاص بتوحيد قواعد الاشتباك بين الشمال والجنوب السوري.
وهي محطة كانت قد أثارت الكثير من الضجيج والارتياب بين البلدين في مراحل استقطاب المعارضة السورية إبان الربيع العربي عام 2011. المستوى العملياتي الأمني والسيادي وجد في الملف السوري مساحة مشتركة مع الأتراك.
وكبار المسؤولين في الأردن زاروا أنقرة ومارسوا معها بعض الانفتاح. العلاقات تقدمت لكن رافقتها اتصالات خفتت بعد الحرب على إيران ولأسباب غامضة، مع أن تركيا في سيناريو الحرب وما بعدها تلك طرف فاعل ووسيط وديناميكي، مما يدفع بعض المحللين لقراءة حذر أردني في التقارب مع تركيا خلال الحرب على الأقل تجنبا لحساسيات العلاقة مع بعض الدول العربية والخليجية تحديدا.
الأردن خلف الأبواب دعم بحماس أدوار الوساطة المصرية في الحرب الأخيرة وعلى أساس قناعة مؤسساته بأن القيمة النوعية لخفض التصعيد في منطقة الخليج والإقليم يمكنها الاستفادة من نمو الاتصالات فجأة على نحو إستراتيجي بين القاهرة وأنقرة.
موقف تركيا المعاكس لتشكيل ما يوصف بـ«ناتو عربي» جذره ردع إيران مستقبلا قد يكون من مسببات الحذر الأردني بعد ظهور خلافات خليجية – مصرية في هذا السياق.
الأردن وتركيا يتفقان معا على إبعاد جنوبي سوريا وعزله عن سياق خطة اليمين الإسرائيلي في السيطرة على محور الجولان ـ السويداء ـ درعا وعلى المصادر المائية في المنطقة.لكن واضح في المقابل أن حسابات عمان معقدة.
وتسعى عمان للتفاهم مع الرئيس أحمد الشرع حصرا على إبعاد أجندة اليمين الإسرائيلي عن مناطق الجنوب السوري، دون ان يسمح للإسرائيلي باستثمار الضجيج والارتباك، فيما السلطات السورية تبدو مقتنعة بأن ضمان ما يسمى بـ«أمن إسرائيل «في الجنوب السوري حصة لا يمكن إغفالها عند التقاسمات لصالح حكومة تل ابيب.وهو ما يلمح له المبعوث الأمريكي السفير أصلا في تركيا توم براك الذي زار عمان مرتين على الأقل مؤخرا، وامتدح دور الأردن كلاعب أساسي قبل أسبوعين فقط في تثبيت أمن واستقرار المنطقة دون سحب تصريحه على الدور التركي.
وسط نخبة عمان من يعتقد رغم كل التفاهمات الإستراتيجية أن تركيا لديها مشروع طموح نفوذ وسيطرة على الملف السوري، وبأن تمكين تركيا من الاقتراب من جنوبي سوريا في نقاط التلامس مع شمال الأردن قد يصبح جزئية مربكة أمنيا ما دامت عمان متفقة مع دمشق على إبعاد الإسرائيليين قدر الإمكان.
ذلك لا يعني في عرف السياسي والبرلماني الأردني الخبير الدكتور ممدوح العبادي أنه لا يوجد بعض مؤشرات الارتياب التي لا تزال تحيط بمنطوق العلاقات الأردنية التركية ويتوجب استبعادها وفي أسرع وقت ممكن.
انطباع العبادي أن علاقات أفضل مع العباءة التركية إقليميا توفر موقعا متقدما لمصالح الأردن وتساهم في التخفيف من السطوة الإجرامية التوسعية عند حكومة اليمين الإسرائيلي.
ما يقترحه ساسة أردنيون كبار دوما هو الاستعانة بدول إقليمية كبيرة مثل إيران وتركيا على قضاء الإحتياجات الأردنية الأساسية وحصرا في مواجهة من وصفهم رئيس الوزراء الأردني الراحل علي أبو الراغب وفي حديث لـ«القدس العربي» بـ« حكام تل أبيب المجانين».
