الأردن: “مواطن – مراسل” وانفلات رقمي… وتطبيقات قانون الجرائم الإلكترونية على الناشطين
لا تراقب السلطات المختصة ذاتها حالة الانفلات الاجتماعي التي تعتدي على حقوق الأفراد والمجتمع أحياناً بصيغة قد ترضي بعض الموظفين هنا أو هناك

عمان – “القدس العربي”: مجدداً، يخفق قانون الجرائم الإلكترونية سيئ السمعة والصيت في الأردن بضبط الحالة الإعلامية المنفلتة.
إذ تبرز حلقة مفقودة في ملف تطبيقات ذلك القانون على أرض الواقع فكرتها تردد وغيبوبة الرواية الرسمية للأحداث، مقابل انفلات في السردية يتغذى، وفقاً لأصحاب الاختصاص، على هوس المواطنين العاديين بمنصات التواصل الاجتماعي، وعلى سيناريو “المراسل المواطن” الذي يروي الحكايات بالصوت والصورة، كما يشتهي بدون ضوابط أو عواقب.
عملياً، للمرة الثالثة تبرز المفارقة التي كان قد حذر منها مبكراً وعبر “القدس العربي” الناشط الحقوقي عاصم العمري، معتبراً أن استخدام تطبيقات قانون الجرائم الأردنية، تحديداً في ملاحقة النشطاء السياسيين وأصحاب الرأي المستقل، وأحياناً الحراكيين والمعارضين، لا يعكس الأنموذج المطلوب في تعافي المجتمع إعلامياً وتحصينه من العدمية والسلبية.
لا تراقب السلطات المختصة ذاتها حالة الانفلات الاجتماعي التي تعتدي على حقوق الأفراد والمجتمع أحياناً بصيغة قد ترضي بعض الموظفين هنا أو هناك
العمري هنا يعيد التأكيد على ما تسمى بالأسباب الموجبة لقانون الجرائم الإلكترونية، وأبرزها حماية المجتمع من أخطار الاجتهاد والتسرع في التفاعل على الشبكة والمنصات، فيما المفارقة في استخدام السلطات المختصة القانون بتعسف ملحوظ عندما يتعلق الأمر بالرأي المستقل، أو حتى ببعض الشخصيات الوطنية التي تحتفظ بوجهة نظر مختلفة وتسجل ملاحظات على السلطة والحكومة وتمارس دورها الإيجابي.
فيما لا تراقب السلطات المختصة ذاتها حالة الانفلات الاجتماعي التي تعتدي على حقوق الأفراد والمجتمع أحياناً بصيغة قد ترضي بعض الموظفين هنا أو هناك.
المفارقة تتكرر برأي القاضي والخبير القانوني لؤي عبيدات أيضاً حيث إجراءات المحاكمة والملاحقة القضائية على مستوى الادعاء سريعة جداً عندما يتعلق الأمر برأي نشطاء أو تغريده سياسيين نقدية.
لكن الخمول ملموس عندما تتجاهل تطبيقات قانون الجرائم الإلكترونية حالات الاعتداء المتكررة على الدولة والناس أحياناً تحت ذريعة الولاء أو التحدث باسم الموقف الرسمي.
ما رصده حقوقيون بارزون مؤخراً، بينهم عبيدات وغيره، أن تطبيقات الجريمة الإلكترونية لا تطبق، لا بتعسف ولا حتى بمرونة، عندما يعلق المشهد برواية ما تعجب السلطات والحكومات، مما يدفع باتجاه تسمين الروايات السلبية وسط المجتمع ثم العودة مجدداً للشكوى قبل أن يظهر للخبراء بأن هدف القانون تكميم الأفواه والتعسف ضد حريات الرأي وليس التعافي والصحة الإعلامية للمجتمع.
بسبب شغف المواطنين الموسمي باصطياد المعلومات والتعليقات، خرجت رواية الأغنام السورية عن السيطرة، وتشكلت ملامح تشكيك يمكن الاستغناء عنها
مؤخراً، وعلى سبيل المثال، تسببت رواية إلكترونية صادرة عن غرف التجارة في دمشق بخصوص فرض رسم مالي غامض على رؤوس الأغنام السورية في تجارة الترانزيت بالكثير من الجدل والفوضى.
هنا حصراً صمت الإعلام الرسمي لـ3 أيام على الأقل وسيطرت الرواية المضادة على الصحافة الإلكترونية ومواقع التواصل، فحصلت فوضى شوهت سمعة المعابر الأردنية جراء البطء الشديد في الرد والتعليق.
وبسبب شغف المواطنين الموسمي باصطياد المعلومات والتعليقات، خرجت رواية الأغنام السورية عن السيطرة، وتشكلت ملامح تشكيك يمكن الاستغناء عنها، فيما لم يعالج قانون الجرائم الإلكترونية هنا ومعه هيئة الإعلام، وأطقم الخلايا المشرفة في الأذرع الرسمية، تكدس الروايات السلبية في السياق لأسباب غامضة.
وفي مثال آخر، اعتقلت السلطات شخصاً يتهم بجريمة هتك عرض، فيجتهد المواطنون على شبكات لتواصل في التكهن والتحليل وتعبئة الفراغات، وتبدأ رواية شعبوية بالتشكل من عند طرح مصطلح “إبستين عمان” إلى العبور في محطة تشوه سمعة الأطباء في البلاد والذين هم في الواقع في صدارة الأهلية المهنية على المستوى العربي. لا تصطاد تطبيقات قانون الجرائم الإلكترونية هنا لا لرواية ولا مصادرها ولا تردع التقول.
والسلطات إزاء حالة الانفلات وفوضى المعلومات بعد تداول ونشر فيديوهات وصور، تضطر حرصاً على سلامة التحقيق لتطبيق قواعد سيناريو حظر النشر مرة جديدة.
المفترض في قرارات حظر النشر أنها محدودة، وتصدر أحياناً، لكنها تكاثرت مؤخراً في قضايا طبيعية وعادية ليس لسبب محدد ومنطقي، ولكن لأن فوضى صفحات مواقع التواصل تلوح في الأفق، والأجهزة الحكومية لا تقوم بواجبها.
وحراس العدالة لا يتابعون جرائم صغيرة ترتكب إلكترونياً، فتضطر سلطات النيابة لاستخدام صلاحياتها في حظر النشر بهدف إنقاذ ملف القضية بالحد الأدنى من التشويش والشغب الإلكتروني.
حتى رئيس مجلس الأعيان، فيصل الفايز، كان ضحية لجزئية اصطياد المنصات، فقد أخرج تصريح له في خطاب خارجي من سياقه ونشرت عبارة على لسانه خارج سياق الخطاب، مما يظهر مجدداً الحاجة الملحة لتطوير آليات التعاطي مع الإعلام الإلكتروني الرديء.
صمت المهتمون بالحرص على العدالة والقانون على دعوات الكراهية والتحريض وسحب الجنسيات، فكانت النتيجة استرسالاً شعبوياً في مزاعم التحدث باسم الشعب والدولة معاً
إخفاق في الحرص على صحة وسلامة وحقوق المجتمع، كما يقدر عبيدات وآخرون، فيما تحقق السلطة، إذا أرادت استخدام القانون المشار إليه، لمحاسبة أو ملاحقة معارض أو صاحب رأي، نسبة نجاح مبهرة لا يتم إسقاطها على حماية المجتمع في قضايا أخرى متنوعة.
صمت المهتمون بالحرص على العدالة والقانون على دعوات الكراهية والتحريض وسحب الجنسيات، فكانت النتيجة استرسالاً شعبوياً في مزاعم التحدث باسم الشعب والدولة معاً لترويج المزيد من الكراهية وخدش الروح الوطنية.
طبعاً تلك الإحباطات تتغذى على هوس المواطنين عموماً بالتفاعل عبر منصات التواصل ولعدة ساعات في اليوم الواحد.
وتتغذى على تردد وتأخر الرواية الرسمية. والسلطات فيما يبدو تخفق حتى الآن في صياغة منهجية تطبيقية ترد على نمو ظاهرة “المواطن المراسل”. الظاهرة التي انتبه لها مبكراً كل خبراء تقنيات التواصل، وهم يعتبرونها سلاحاً ذا حدين، ترويج الانقسام والانفراد برواية سلبية أو تعوزها الدقة.
