اراء و مقالات

برلمان الأردن و”هدر الوقت”

 التركيز الشديد على بذل الوقت وإنفاقه في مناكفة نواب التيار الإسلامي هدر لوقت دستوري ثمين وارتفاع في مستوى العبث يمكن الاستغناء عنه و لا مبرر له في الواقع الموضوعي

التأسيس لسيناريو يفترض دوما بقبة البرلمان الأردني الانشغال حصرا بمناكفة التيار الإسلامي ونوابه أكثر من الانغماس حقا وفعلا بالواجبات الدستورية الاساسية لمجلس النواب، هو محطة عبثية وعدمية لا تقود لأي نتائج حقيقية وتفرغ مسألة “الانتخابات العامة” من مضمونها الرئيسي.
واجبات النواب بالمقام الأول هي التشريع والرقابة، هذا حصرا ما فهمناه من خطاب العرش الملكي الأخير.
والترجمة في الامتثال للتوجيهات السامية يتوجب أن لا تتعدى إنفاق وهدر وقت الدولة والشعب فيما ينفع الطرفين ويمكث في الأردن ويخدم المواطن.
دون ذلك لا يمكن تسمية الانشغال بمناكفة مكون سياسي إلا عبثا وهدرا لوقت يملكه الناخب ومن حقوقه الدستورية المباشرة.
عمليا لا تبنى تجارب البرلمان على هدر الوقت بالشغب والمناكفة لأسباب سياسية أو لأن أحدا في الدولة “غاضب من الإسلاميين أو غيرهم”.
قالها بعض أعضاء مجلس النواب مباشرة لكاتب هذه السطور وهو يتحدث عن وقت كبير تبذله كتل أحزاب الوسط بلا معنى.
ولا أحد يعلم هل يتم ذلك بتوجيه أو بدونه فيما العنوان فقط مخالفة نواب حزب الأمة أي حزب المعارضة الوطني اليتيم في البلاد.
بدلا من انصراف الجهود على تنقيح تشريعات وتعديلات قانونية بصورة توازن ما بين مصلحة الدولة والمواطن يصرف الوقت خصوصا في اللجان على اقتراح مقاربات تشريعية تناكف ما يطرحه الإسلاميون دون حتى تنقيح المطروح.
والمعنى هنا الهجوم المعاكس على أي نص تشريعي يقترحه نائب إسلامي في اللجان وبصرف النظر عن الموضوع.
يشبه ذلك في الواقع ما يحصل عند القراءة الشخصانية السريعة لأصحاب الرأي المستقل حيث الهجوم متاح وسريع على كاتب ما، دون قراءة أو حتى مناقشة المكتوب.
تلك معادلة مختلة لا أحد يفهمها ولا أحد يفهم كيف تشكلت أصلا؟ ولماذا تحظى بالرعاية؟
قدر أحزاب الوسط المحسوبة على تيارات الولاء يفترض أنه أجل وأكثر رفعة من بذل المجهود وإنفاق الوقت فقط في الاعتراض على الإسلاميين وتهميشهم. لا بل إقصاء أفكارهم، الأمر الذي يبعث برسائل سلبية عن ضعف احترام نتائج الانتخابات ووجود معادلة “خيار وفقوس” في التحدث مع النواب وعنهم، مع أن أحزاب الوسط زاخرة بالكفاءات المهنية الخبيرة والوطنية، ويمكنها تثقيف نوابها بتزويدهم بالدراسات والخبرات لتجويد مداخلات الرقابة والتشريع، بدلا من هدر أيام في أعمال “ترصد” للنواب الإسلاميين بهدف مخالفتهم فقط وبدون معنى أحيانا وإزاء نصوص بيروقراطية تخص قضايا محلية بسيطة، وليست جوهرية أو أمنية أو قومية.

 التركيز الشديد على بذل الوقت وإنفاقه في مناكفة نواب التيار الإسلامي هدر لوقت دستوري ثمين وارتفاع في مستوى العبث يمكن الاستغناء عنه و لا مبرر له في الواقع الموضوعي

هنا يدفع نواب التيار الإسلامي ثمنا لانشغالهم بالهموم العامة والمواقف.
صحيح أن بعض قواعد الحركة الإسلامية عموما تمارس المظلومية وتعزف على أوتارها ولديها مواقف ملتبسة من قضايا جوهرية.
لكن الصحيح في المقابل أن نواب الأحزاب الوسطية، فيما تحولت أحزابهم إلى جمعيات خيرية لا تناقش أي ملف سياسي، ينصرفون للتركيز الشديد وبدون سياق مفهوم أو منطقي أو متزن على معرفة أين يضع النائب الإسلامي قدمه ثم التنديد في تلك المساحة والانقلاب عليها.
رأينا ذلك ورصدناه عند سن بعض التشريعات. رصدناه داخل بعض لجان التشريع والرقابة حيث ينصرف أداء نواب التيارات الوسطية لمعارضة الإسلاميين ومناكفتهم إجرائيا وليس لفظيا بدعوى أن ذلك هو التعبير الأدق عن الوطنية والولاء.
لكن ذلك هو التعبير الأسهل في الواقع عن الوطنية والولاء لأن الوطنية تحتاج لممارسة فعاليات رقابية وتشريعية في البرلمان والدولة لا تخدمها وصلات “مجاملة” تحت قبة البرلمان بمزاعم الولاء.
الولاء الحقيقي يستند إلى كيفية إقامة نواب الأمة المنتخبين شرعيا في تلك المنطقة الوطنية العازلة التي تدخل ما بين الدولة ورعاياها من المواطنين في إطار تناغمات منصوص عليها في الدستور تؤسس للتوازن وبالتالي يتحول مجلس النواب ولجانه إلى بيت خبرة يمثل مصالح الدولة والناس معا.
التركيز الشديد على بذل الوقت وإنفاقه في مناكفة نواب التيار الإسلامي هدر لوقت دستوري ثمين وارتفاع في مستوى العبث والعدمية يمكن الاستغناء عنه ولا مبرر له في الواقع الموضوعي، لأن ما يقدمه أي نائب إسلامي في المستوى الشخصي والفردي أو الكتلوي والحزبي، هو في النهاية مادة موضوعية قابلة للنقاش يمكن التوافق مع بعضها ورفض بعضها الآخر.
لا أساس للقول إن عملية الرقابة والتشريع في مكانها الصحيح عندما يتم صرف الوقت والبوصلة والجهد والعمل في مطابخ اللجان تحت سياق مناكفة الإسلاميين أو غيرهم.
تلك وصفة غير منطقية.
ومن غير المعقول الاستمرار بالقول إن رفع قيمة وشأن العمل البرلماني والحفاظ على هيبة مجلس النواب أهداف ممكنة الإنجاز في ظل تكريس منهج مناكفة المعارضة فقط.
الاستمرار في إقصاء لون سياسي له حضور شعبي عارم وممارسة عزله والتهميش ضده بصورة غريبة تقرها مؤسسات وأذرع الدولة سلوك يفتقد للحكمة والإنتاجية الوطنية.
الحكومات بالعادة يعجبها تمرير مصالحها انتهازيا عبر انشغال النواب ضد بعضهم البعض والتسلل بينهم وأملنا كبير بأن تستدرك القيادة الجديدة للمجلس ذلك.

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading