تراجع التحديث السياسي الأردني: تشريعات مضادة له وأحزاب أصبحت جمعيات

عمان ـ «القدس العربي»: يتواصل التفاعل في الأردن مع تصريحات رئيس مجلس النواب الأسبق عبد الكريم الدغمي، التي اعتبر فيها أن «البرلمان لا يزال بصيغة الديكور، والانتخابات مع مسار التحديث، ينظر لهما المواطن، باعتبارهما لعبة سخيفة».
التصريحات، حسب مراقبين، بمثابة إنذار سياسي، ينبه الجهات الرسمية لضرورة تبديل الأولويات، وإنقاذ ما تبقى من وثيقة «التحديث السياسي» التي حظيت بتوافق في السابق، وحاليا، يتصاعد القلق والتشكيك على مصيرها، خصوصا عند طبقة عملت لعقود مع مؤسسات الدولة.
ليس الدغمي وحيدا في هذا السياق، إذ إن نائب رئيس الوزراء الأسبق والسياسي والبرلماني، ممدوح العبادي، لديه ملاحظات على تحولات تشريعية ضد مسارات التحديث.
مع أن العبادي لم يكن مثل الدغمي طرفا في حوارات التحديث ومساراته، إلا أنه قال لـ«القدس العربي» مراراً، بأن بعض التشريعات التي عبرت في البرلمان، لا توحي بجدية مسارات التحديث والحفاظ عليها. وتؤشر تعليقات العبادي الدغمي، إلى قاعدة من المشرعين يفقدون الثقة بمسارات التحديث.
وبهدف عمليات التشريع مواجهة نواب حزب «الأمة» الإسلامي المعارض، في حين، الانتخابات البلدية تم تشويهها، والديمقراطية الانتخابية في مجالس المحافظات ترنحت تحت وطأة معادلة «التعيين أكفأ من الانتخاب».
ويرجع مراقبون النتائج التي آل إليها مسار التحديث إلى عدة أسباب.
البعض يتحدث عن تداعيات صدمة نتائج الانتخابات الأخيرة حيث حصد الإسلاميون على نحو مباغت 31 مقعدا في البرلمان عن الدوائر الفرعية والحزبية العامة، الأمر الذي كرس حزبهم في الموقع الأول بلا منافس أو منازع برلمانيا، وعن القوائم العامة.
البعض الآخر يشير إلى أن الأوضاع غير المستقرة في الإقليم وحسابات الإدارة الأمريكية الحالية، عناصر ضغطت على مسارات التنمية السياسية والحزبية الأردنية، وكان الدغمي، قد تطرق في مقاله الشهير الأسبوع الماضي، إلى الحيز الأمني البيروقراطي الذي يحتكر المشهد الحزبي والسياسي.
وفيما الحكومة لا تجيب عن سؤال، ما هي مشكلات وعيوب مسار التحديث التي تبرر التراجعات؟ تحدث الباحث الأكاديمي، وليد عبد الحي في تصريحات لـ«القدس العربي»، عن سلسلة تراجعات في مسارات الديمقراطية والانتخابات والإصلاح، لدى حكومات النظام الرسمي العربي، مشيرا إلى أنه، بعد الأحداث الأخيرة في المنطقة برزت، أولوية أمن الدولة والمؤسسات.
قد لا يفسر ذلك، مستوى التراجع عن مسار التحديث في الأردن، لأن العملية برمتها انطلقت قبل 3 أعوام من داخل مؤسسة السلطة وبمبادرة منها، والشارع صفق للوثائق المرجعية قبل التحول إلى تقليص الرهانات على التنمية السياسية، والحرص على تشويه التجربة الحزبية وانصراف الأحزاب السياسية التي تشكلت بعد التحديث وبموجبه إلى أولويات اجتماعية بعيدا عن العمل السياسي الوطني، مما حولها إلى أعمال ملائمة للجمعيات الخيرية.
بعض الأحزاب، حسب المحلل السياسي، مروان الفاعوري، اهتمت بجاهات الأعراس وإعداد أيام طبية مجانية وتكريم الناجحين في الثانوية العامة، بدلا من الاهتمام بالعمل الحزبي البرامجي الوطني أو الانشغال بالمواجهة السياسية مع الحكومة، أو التفكير بإسقاطها بلغة التداول الديمقراطي.
وفعلياً، انهمكت الأحزاب السياسية الوسطية في المناسبات الاجتماعية وأهملت التشريع ومراقبة الحكومة، ووضع برامج قابلة للتطبيق، و اللجوء إلى مناقشات وطنية عامة تفتح الملفات.
ذلك في وقت تسيطر فيه السلطة التنفيذية بموجب تشريع جديد على مجالس محافظات كانت منتخبة قبل مسار التحديث. في الخلاصة تعليقات الدغمي وغيره قاسية، لكنها قد تكون مرآة تعكس الواقع.
