الأردن: حكومة حسان «تستنسخ غاضبين»… تعديل أم «رحيل»؟
لفت نظر الجميع، خطاب الحكومة ورئيسها أكثر من مرة. عندما تعلق الأمر بـ«تسويق» قانون الضمان الاجتماعي المستجد وجه اتهام مباشر لـ«حكومات سابقة»، امتنعت عن القيام بواجبها

عمان ـ «القدس العربي»: لا يميل السياسيون في الأردن للتحدث عن منطقة مغرقة بالخصوصية، تمكن رئيس الوزراء جعفر حسان من فرض «سطوته وسيطرته» على القرار في مؤسسات شريكة بالعادة بقي واجبها المفترض «مراقبة الحكومة وأداء طاقمها».
المؤسسات الشريكة بالعادة تتجنب «التدخل» في أعمال الحكومة لأن رئيسها، على الأقل في العام الأول من عمر حكومته، يمكنه الشكوى والتذمر، فيما الكيمياء لا تبدو بأفضل أحوالها مع 5 على الأقل من قدامى الوزراء المخضرمين. أحد الوزراء، توقع لـ«القدس العربي»، بعد انتهاء تجربة الحكومة الحالية، تحول 3 من الوزراء لصفوف المعارضة.
إدارة الوزارة «تستنسخ» إذا غاضبين، فيما مقربون من رئاسة الوزراء يميلون لكيل اتهامات بإعاقة التحديث وخطط الحكومة تجاه أي مسؤول آخر لديه وجهة نظر.
السطوة التي تتمتع بها وزارة حسان طالت غالبية المؤسسات باستثناء مؤسسة إستاريه عميقة واحدة على مستوى رسم السياسات تحتفظ بدورها في «مراقبة الأداء» مع قناعة الجميع بأن سلطة البرلمان لا تقوم بما ينبغي في مراقبة السلطة التنفيذية بدلالة الإصرار، وللعام الثاني على التوالي، باعتماد السابقة التشريعية المتمثلة في حرمان المؤسسة من انعقاد دورة صيفية استثنائية للبرلمان بذريعة «التفرغ» لمشاريع كبرى ومهمة قد يكون من بينها مشروع «ناقل المياه الوطني» الضخم.
عضو مجلس النواب عبد الناصر الخصاونة قال مبكرا بحضور «القدس العربي» إن حكومة حسان لا تفضل «الخضوع» لرقابة البرلمان الدستورية. وزميل للخصاونة أفاد بأن «دولة الرئيس لا يؤمن لا بالنواب ولا بالأحزاب السياسية ودورها».
يحاجج حزبيون نشطاء، أفرزتهم مسارات التحديث الأخيرة، بأن حسان عندما قرر تركيب حكومته استعان بـ8 وزراء من الأحزاب الوسطية لكنه أعلن رسميا بأن الاستقطاب هنا لا علاقة له بالصفة الحزبية.
حتى في تقدير الناشط السياسي طلال شرفات، كانت تلك «ضربة مبكرة» يمكن الاستغناء عنها للعمل الحزبي.
في الملف الإعلامي، لا تختلف المعايير فقد أحاط طاقم رئاسة الوزراء نفسه بإعلاميين مقربين جدا من الحكومة الحالية، ولا تعقد لقاءات مع كتاب ومثقفين. كما أن «نشاطات الرئيس» تحظى بالأولوية في التغطية. والمؤسسات الإعلامية الرسمية باتت تعلم مسبقا بأنها لا ترغب في «إغضاب رئاسة الحكومة» وسط حالة استشارية بالقرب من رئاسة الوزراء تهاجم بضراوة كل من ينتقد الحكومة ورموزها. لا بل تندفع أحيانا لاعتبار «الانتقاد» جزءا من «مؤامرة ما» تستهدف «إعاقة» مشروع التحديث الاقتصادي الذي تتولاه الحكومة، وهي «تتهم» الحكومة السابقة لا بل تستهدف بعض رموزها.
لفت نظر الجميع، خطاب الحكومة ورئيسها أكثر من مرة. عندما تعلق الأمر بـ«تسويق» قانون الضمان الاجتماعي المستجد وجه اتهام مباشر لـ«حكومات سابقة»، امتنعت عن القيام بواجبها
هنا حصرا، لفت نظر الجميع، خطاب الحكومة ورئيسها أكثر من مرة. عندما تعلق الأمر بـ«تسويق» قانون الضمان الاجتماعي المستجد وجه اتهام مباشر لـ«حكومات سابقة»، امتنعت عن القيام بواجبها.
والانطباع سياسيا أن هذا النمط من التلاوم استدعى في النهاية «لقاء مجاملة سريع» بين حسان وسلفه المخضرم عبد الله النسور رغم عدم وجود أي قرائن على الربط بين حدثين.
لكن حتى بالقرب من شخصيات مؤثرة في مجلس الأعيان قيل إن الحكومة الحالية تبالغ في المساس بالحكومة التي سبقتها حصرا، وتهاجم بضراوة وزير المالية السابق وسياساته خلافا للمألوف في نادي نخب الحكومات.
تمتع حسان، بعد تمكنه من تعديل وزاري متوسط أخرج فيه وزراء بصورة غير مفهومة وأدخل غيرهم، بـ«مساحة حرية في العمل» لم تتح لأسلافه.
ما يخفف الرقابة على وزارته ويزيد قليلا من شعبية حكومته ويساهم في «ترك النخب للوزارة وشأنها»، هو تركيزه الشديد على «العمل الميداني» ودفعه الوزراء للتوجه إلى الميادين.
صحيح أن «وجود الطاقم» في الميدان قياسا ببقية الحكومات، يثير إعجاب الرأي العام. لكن صحيح بالمقابل أن نشرة الأخبار الرسمية على تلفزيونات الدولة أصبحت أولويتها تغطية أخبار الزيارات الميدانية وبصورة مكررة تلفت الأنظار، مع أن بعض الآراء وأخرها للناشط السياسي بركات العبادي وفي مقال منشور علنا ترى بأن تلك الزيارات الميدانية خارج اختصاص الرئاسة، ولا تليق بالمقام، وتهبط بالتوقعات.
واجب الحكومة المألوف «رسم السياسات» وليس المتابعة البيروقراطية الميدانية التي يفترض أن يتكفل بها الأمناء العامون للوزارات، خصوصا الخدماتية، فيما رئيس الحكومة يزاحم هؤلاء ويتابع التفاصيل بصيغة ملتبسة في نتائجها.
الصحافي أحمد سلامة كتب مؤخرا جملة معترضة على «اندفاعة تكنوقراطية يمكن الاستغناء عنها». والرأي المضاد يقدر بأن طبيعة تحديات واحتياجات المرحلة تتطلب تشكيل «حكومة زعامات وطنية وسياسية» بسبب طبيعة المخاطر الإقليمية، على حد تعبير الخبير أنور الخفش.
حسان في المقابل، يظهر حرصا شديدا على مواصلة اندفاعته الميدانية متجاهلا تماما «الملفات السياسية»، حتى بات يمثل مركز القوة الأساسي في «حكم التكنوقراط» الذي تحكمه عقيدة تدير شؤون الدولة بناء على «المقتضيات التقنية والفنية والرقمية» فقط.
ينزعج وزراء متعددون من المبالغة في التركيز على «استعراض العمل الميداني أمام الكاميرات» فيما يزيد العجز المالي ولا توفر وزارة المالية المبالغ المطلوبة لإصلاح ما تكتشفه جولات الرئيس الميدانية
وفي الواقع ينزعج وزراء متعددون من المبالغة في التركيز على «استعراض العمل الميداني أمام الكاميرات» فيما يزيد العجز المالي ولا توفر وزارة المالية المبالغ المطلوبة لإصلاح ما تكتشفه جولات الرئيس الميدانية، خصوصا على المدارس والمراكز الصحية والمشاريع الريادية الموصوفة بأنها ريادية.
أحد الوزراء البارزين، أقر أمام «القدس العربي»، بأن «الوقوف على أبواب مدرسة في منطقة ريفية، والمطالبة بإصلاح نوافذها، خطوة جيدة لا يمكن انتقادها، لكن في المقابل يوجد 1000 مدرسة تحتاج لإصلاح نوافذ والمسألة مرتبطة بالمال حصرا».
لاحقا ثبت للمراقبين بأن رئيس الحكومة في طريقة لتنويع التواصل مع أركان البرلمان ثم وقف الرهان على «العمل الميداني» فقط فقد بدأ طاقم الوزارة يحضر «موائد طعام مسيسة»، وإن كانت خيارات الحكومة أنتجت حالة «استقطاب» في عمق مؤسسة البرلمان استفاد منها التيار الإسلامي.
لاحقا أيضا قالت الاستطلاعات المهنية المعتمدة بـ«تراجع حاد» في شعبية الحكومة ورموزها، الأمر الذي انتهى بطرق الأبواب المغلقة وبروز أصوات في الإعلام تتحرش بالحكومة ووزراء ينتظرون بـ«شغف» المغادرة وإنهاء التجربة وبأقل الكلف وزملاء لهم من الصنف الذي لا يحفظ أسماءهم الأردنيون ولا يعرفون هوياتهم. لذلك كله، وفي خلاصة تحليلية تقف التجربة برمتها الآن على أعتاب «تغيير ما» بات ملحا وضروريا أقله حدة «تعديل الصيغة والتركيبة».
وأكثره درامية مغادرة ورحيل الحكومة برمتها أو إعادة تشكيلها أو تثبيت مشروعها وإطالة عمرها قليلا ضمن سياق «تغييرات أكثر شمولية».
وبين المسارين ستتضح الصورة أكثر وفي وقت وشيك وقريب.
