أحزاب الأردن في «التكاسل» ومحاولات لتعويض فاقد التحديث السياسي بحقائب وزارية
لا يوجد مصدر واضح ومحدد للسيناريو الذي قفز فجأة بعنوان التفكير بمشاركة أحزاب وسطية مرخصة بالحكومة في تعديل وزاري ثالث قد يعقب أو يتزامن مع انعقاد الدورة العادية للبرلمان.

عمان ـ «القدس العربي»: بث ولو قليل من المعنويات السياسية في جسد الأحزاب السياسية الأردنية المتكاسل والمتراخي بات خطوة مهمة على الأقل في ذهن مراكز القرار الرسمي، ليس بهدف إنقاذ خريطة الأحزاب السياسية من وضعها المتردي تنظيميا وماليا وشعبيا فقط، ولكن في سياق محاولة التعويض عن الفاقد بعد سلسلة تشريعات وتوجهات حكومية تبدو علنا إطارا لانقلاب مرصود وواضح على مسار التحديث السياسي.
في الأردن يحاول رئيس الوزراء الحالي الدكتور جعفر حسان التقرب من الأحزاب السياسية قدر الامكان.
لا يوجد مصدر واضح ومحدد للسيناريو الذي قفز فجأة بعنوان التفكير بمشاركة أحزاب وسطية مرخصة بالحكومة في تعديل وزاري ثالث قد يعقب أو يتزامن مع انعقاد الدورة العادية للبرلمان.
بعيدا عن مصدر المعلومة هنا مرجح أن صلتها قوية بدوائر مقربة من رئيس الحكومة، والهدف الإيحاء للأحزاب السياسية التي بدأت تنتقد وتشتكي، بأن حصة ما من الحقائب الوزارية في طريقها لتلك الأحزاب.
مع أن مثل هذه الخطوة متأخرة جدا إلا أنها يمكن أن تشكل إضافة ولو بسيطة على طبقة التكنوقراط والبيروقراط التي تحمست للانضمام إلى أحزاب سياسية مرخصة وسطية ومحسوبة طبعا على تيارات الموالاة بعد إقرار وثيقة مسار التحديث السياسي المرجعية قبل 3 سنوات.
مؤسس حزب المحافظين الأردني طلال الشرفات كان أول من علق الجرس عمليا في جملة نقدية هادفة لحكومة حسان توقع فيها أن تتولى الأحزاب الأردنية بعد مسار من تجاهلها وتجاوزها إسقاط الحكومة الحالية.
ما يتبلور في الأثناء في عمق معادلة كتل البرلمان الحزبية أشد قسوة.
النائب الدكتور عبد الناصر الخصاونة وهو قيادي في حزب الميثاق تحدث مجددا مع «القدس العربي» عن غياب رئيس الوزراء وإظهار الحكومة عموما تجاهلا لا يمكن إنكاره ليس للأحزاب السياسية فقط، ولكن لكتلها ونوابها وتمثيلها، مع العلم بأن كتل الأحزاب الوسطية هي التي جازفت بسمعة مجلس النواب أمام الشارع وهيبته عندما حملت على أكتافها حزمة تشريعات مثيرة للجدل وعبرت بها بهدوء لصالح الحكومة في إطار مناكفة ملموسة ومقصودة لكتلة نواب المعارضة التي تمثل حزب الأمة الإسلامي.
لا يقتصر الأمر على شعور الأحزاب الوسطية ونوابها بالتجاهل والنكران فتراث الحكومة القريب يؤشر على مكمن خلل بارز لا علاقة له حصرا بترك مهمة العبور بالتشريعات للنواب الوسطيين فقط، ولكن له علاقة حصرا بقانوني الملكية العقارية والإدارة المحلية اللذين أنتجا حجما هائلا من الجدل والنقاش.
العنوان الأبرز في النقاش التشريعي هنا هو انقلاب الحكومة على ما ورد في وثائق وحيثيات مسار التحديث السياسي. وما قدره مسبقا البرلماني والسياسي المعروف الدكتور ممدوح العبادي هو أن الحكومة في نصوص الإدارة المحلية الجديدة تراجعت عن ما ورد في ذات السياق والملف في وثيقة التحديث السياسي.
هجوم عنيف واجهته وزارة حسان بترويج تهمة الانقلاب على التحديث ورؤيته في الجانب السياسي، والسبب المباشر استبدال آلية الانتخابات في مجالس المحافظات بتقنية اختيار أعضاء المجالس من منتخبين سابقا وتقليص صلاحيات رؤساء البلديات المنتخبين بالنص على تعيين مدير تنفيذي لكل بلدية.
هنا حصرا وبتقدير العبادي إشارة مباشرة لمحاولات مبكرة تحت عنوان تحجيم التحديث السياسي لا بل التحول عنه باتجاهات مناقضة مما تسبب بطرح سؤال استنكاري على مستوى الشارع والنخب بعنوان: ما الذي حصل، هل تراجعت الدولة بعد كل التوافقات عن سيناريو تحزيب البرلمان مستقبلا؟
تلك تساؤلات مطروحة وبقوة.
والسبب ليس فقط تعديلات الحكومة والنواب على قانون الإدارة المحلية بل النوايا التي يتم بحثها خلف الستائر لإجراء تعديلات على قانوني الانتخابات والأحزاب، وهما ذروة سنام مسار التحديث عمليا تنتهي بالتراجع لاحقا عن فكرة تحول سلطة التشريع برمتها إلى الأحزاب السياسية.
والمعنى هنا ضمنا أن تجربة التحديث الحزبية سيقصف عمرها مبكرا بسبب أخطاء حسابات الانتخابات الأخيرة والتدخلات التي انتهت بإضعاف بنية الأحزاب الوسطية.
وعليه يصبح الانطباع بصيغة إشارة مبكرة لا تنطلق من فراغ سياسي نحو اتجاه جديد يقلص مساحات التحديث وحصة الأحزاب في المستقبل البرلماني.
القناعة راسخة هنا بأن حصول ذلك باعتباره محطة باتت مرصودة يتطلب تخفيف حدة انفعال الأحزاب لا بل إشراكها في سلطتي التنفيذ والتشريع لكي يصبح التحول عن مسار التحديث مطلبا شعبيا ومدنيا للأحزاب السياسية ذاتها.
تلك لعبة سياسية فوقية حكوميا بامتياز، والإيحاء بأن حقائب وزارية قد تخصص لاحقا للأحزاب السياسية يداعب الطموحات الشخصية عند بعض رموز أحزاب الوسط تحديدا، وبالتالي قد ينتهي المشهد تكتيكيا بحالة يتم تشخيصها على أساس كتل حزبية في البرلمان هي التي تحمل نصوص التشريعات المعدلة الجديدة وأحزاب ممثلة في مجلس الوزراء تصمت أو تشارك في عملية الحد من جموح مسار التحديث السياسي.
طبعا تلك لعبة محفوفة ببعض المخاطر.
