اراء و مقالات

جريمة «العائلة» في الأردن

التشريعات التي تضبط إيقاع الأحوال المدنية والحقوق الزوجية هي الأخرى قاصرة ومفعمة بالهفوات

«حظر النشر» في قضية الأب الأردني الذي قتل ببشاعة 3 من أطفاله الأسبوع الماضي قرار قانوني – إداري له مقتضياته وظروفه، لكنه لا يجيب على «الأسئلة الوطنية» الملحة التي أثارتها تلك الجريمة الدنيئة في وجدان الأردنيين.
وصول الجريمة العائلية حصرا إلى هذا المستوى من الاعتداء الوحشي على كرامة أطفال أبرياء وحتى على كرامة جميع الأردنيين محطة يتوجب ان تتوقف عندها الدولة والمؤسسات قبل الرأي العام والشارع.
تحتاج خلفية هذه الجريمة الوضيعة إلى نقاشات على أرفع المستويات ليس لأن ذراع القانون قاصرة أو لا تقوم بواجبها. ولكن لأن فهم مسوغات تدحرج مثل هذا الجرم ووصوله إلى مرحلة غير مفهومة من الانحدار والانحطاط مسؤولية الدولة والناس وليس الأجهزة الأمنية.
واجبنا جميعا الانشغال في البحث عن أجوبة على السؤال: ما هي طبيعة النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يوصل أحد الآباء إلى حضيض من الصنف الذي رصدناه؟
السؤال صعب لأن الجريمة ارتكبت ليس في «سورة غضب ما» بل مع الإصرار والترصد.
المجرم وبعيدا عن التحقيق القضائي- القانوني اصطحب أطفاله بنزهة مفترضة تبين أنها مصيدة إجرامية وقتلهم طعنا بأكثر من 20 طعنة وبدم بارد.
طبعا لا يوجد أي مبرر من أي صنف يمكنه تفسير أو تبرير الجريمة الوقحة.
لكن سلطات إنفاذ القانون ليست مسؤوليتها لا طرح الأسئلة الاجتماعية ولا الإجابة على تساؤلات سياسية أو تشريعية.
ثمة مساحات لابد من مناقشتها هنا، قد يكون أولها وأكثرها أهمية ما يجري في المحاكم الشرعية من خلافات وشقاقات ونزاعات بين الأزواج والآلية التي تحتسب بموجبها قانونيا النفقات المالية. وقبل ذلك جدية «إصلاح ذات البين» والالتزام بالمعايير الشرعية في قضايا الخلاف والانفصال والنفقة بين زوجين.
ثمة ما يقال ويرعب في عالم «الخلافات الشرعية» عن سموم يتسبب بها أحيانا «بعض المستغلين والسماسرة» وعمليات تحريض.
وفي الوقت الذي يتبع فيه القضاء الشرعي دربا منتجا في احتواء الخلافات المرتبطة بالأحوال المدنية وتزيد فيه نسبة الطلاق والتفريق يتحدث المختصون عن أخطاء وهفوات في التشريعات يتم استغلالها.
انتقال الخلاف بين زوجين إلى المجتمع والعائلات هو عنصر أساسي في توسيع مستويات التحريض وترويج الاحتقان ولاحقا مشاعر الكراهية التي يترتب عليها مثل تلك الجرائم العائلية التي يخجل الإجرام من بعضها.
تبذل إدارة حماية الأسرة جهدا استثنائيا في متابعة البلاغات التي تردها خصوصا عندما يتعلق الأمر بحماية الأطفال والنساء من ضحايا «ذوي القربى».
لكن سياسة الإفصاح والتبليغ والاستعانة بالسلطات مسؤولية اجتماعية وتغطية العائلة الأقرب ثم العشيرة على «المنحرف أو المجرم» جذره جريمة يمارسها المجتمع هنا ضد ضحايا أبرياء لا حول لهم ولا قوة.

 التشريعات التي تضبط إيقاع الأحوال المدنية والحقوق الزوجية هي الأخرى قاصرة ومفعمة بالهفوات

المجتمع بصراحة هو «المتهم» الأول في قضايا توسيع الخلافات الزوجية ووصولها إلى مستويات متقدمة من الاحتقان والرغبة في الإيذاء.
والشعب هو المتهم في التواطؤ مع انحرافات الأبناء والشواذ الذين يتعاطون مخدرات أو يسيئون لعائلاتهم وأطفالهم ولو توفرت عباءة رادعة على مستوى العائلة الصغيرة وعاد المجتمع إلى تقاليده الأخلاقية النبيلة لتقلصت إلى حد كبير كل الانحرافات ولاحقا الجرائم والمخالفات.
التشريعات التي تضبط إيقاع الأحوال المدنية والحقوق الزوجية هي الأخرى قاصرة ومفعمة بالهفوات والثغرات والتعديلات التي جرت مؤخرا على القوانين المعنية ولمرتين يبدو أنها أخفقت في تنفيذ الأسباب الموجبة والأهداف ولم تعالج بعد الكثير من الثغرات والإشكالات.
جريمة الأب القاتل من حيث طبيعتها ودوافعها ونتائجها تدلل على وجود «مشكلة اجتماعية».
والأهم على مؤشرات حيوية بأن المجتمع يعاني وفيه علل خطيرة وأنه لم يعد مجتمع الملائكة والفرسان لا بل في بعض الجرائم الغريبة التي مرت مؤخرا لم يعد يلتزم بمعايير أخلاقيات النشامى التي كانت دوما منطلقا للمروءة والفروسية والنبل قبل أن يلوثها بعض المنحرفين.
تلك جريمة في الواقع تحتاج لعقد مؤتمر وطني تشارك فيه بكثافة نخبة من علماء الاجتماع وكبار المحللين حيث تضرب الجريمة العائلة وفي الصميم مجددا وسبق لها أن ضربت بسبب آفة المخدرات أو بسبب خلافات صغيرة تافهة لا معنى لها.
لا يصلح هنا القول بـ»مس شيطاني غامض» ولا التحدث عن «إحباط اقتصادي» يمر به عمليا غالبية الأردنيين ودون التجرؤ على ارتكاب جرائم خسيسة مثل الأخيرة.
ولا يصلح اعتبار إعلان عشائري مفاجئ بالتنصل من الجريمة والمجرم هو الحل الأسرع والأسهل.
ولا يصلح القول إن إصدار قرار «حظر نشر» لأسباب ردع أي مساس بعدالة التحقيق هو فقط الإجراء الأسلم في مواجهة مظاهر الاعتلال الاجتماعي .
الإحباط الاقتصادي وارتفاع الأسعار والوضع المعيشي لا تشكل أي مبرر للانحراف الجرمي والمصاب بالاضطراب النفسي مكانه معروف، ويحتاج للعلاج قبل السماح له بالانخراط الاجتماعي.
القيم العائلية تتحطم، ومكونات المجتمع سلبية ولا تقوم بواجبها، والمؤسسات الحكومية تستهين بانعكاسات قراراتها الاقتصادية على النفسية العامة والأكاديمية لا تفعل شيئا.
الأطفال الذين قتلهم والدهم طعنا «ضحايا للجميع».

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading