اراء و مقالات

«أكو 50 ليترا بدولار»؟ «بنزين طهران في جدالات عمان»… ومحاكم فيسبوك معجبة في «السيناريو الكويتي»

المشهد المثير على فضائية «العربية» بعنوان «فشرت إنت وإيران»، لا يمكنه أن يصلح مدخلا وحيدا لمناقشة «إشكالات الرواية الأردنية» في الحرب والسلم، حتى وإن  بقيت العبارة الشهيرة بتوقيع وزير سابق للإعلام هو الزميل سميح معايطة.
مشكلات «السردية الإعلامية الوطنية» أعقد بكثير، وتبدأ في جذرها من سؤال: «المهني والأمني.. أيهما يقود الآخر حصريا في الإعلام؟»، ثم تمتد لمفارقة «علينا أن نصنع مؤسسات إعلامية مهنية أولا ثم تصاغ المضامين».
تلك طبعا مهمة وطنية نبيلة مستحيلة بدون «المجازفة» في تأسيس «شراكة» مع مهنيين لديهم «قدرة مستقلة» أو بدون إسقاط معادلة «تجنيد رموز تابعة» لصالح مقاربة فكرتها «الاستعانة بشركاء مؤمنين وليس مخبرين».
الوزير الأردني السابق أقلق الجميع في عبارته الشهيرة على شاشة «العربية» عندما صرخ بمتحدث إيراني كان للتو يجيب على سؤال طرحه المعايطة نفسه، حول «الوضع الاقتصادي في إيران» قائلا بحدة «إذا بتجيب سيرة الأردن بقل قيمتك… فشرت إنت وإيران»!
عمليا، الأكاديمي الإيراني قال عبارة واحدة قبل صراخ المعايطة في وجهه وفكرتها: «أحوال الإيرانيين المعيشية بالأرقام في ظل الحرب أفضل منها في الأردن».

عمان وبنزين طهران

الجواب الإيراني هنا، طبعا لعوب، والطبقة السياسية والإعلامية والأكاديمية الأردنية برمتها لم تفرز بعد حالة واحدة مماثلة لنجم أستوديوهات التحليل في «الجزيرة» خلال الحرب الأخيرة الإيراني  الدكتور حسن حميدان، الذي يحظى الآن بشعبية طاغية في عمان.
نرصد البؤس في الرواية الإعلامية، رغم «تمويل شخصاني» لعدة معاهد ومراكز دراسات وبحث ومنذ عام 2016.
الأجدى من الشعور ببعض «الخجل» أو التبرير هنا هو التأسيس فورا لرموز اشتباك أردنية مؤهلة ومهنية ومقنعة قدراتها تتجاوز سيناريو «فشرتم»، ولديها قدرة عملية على الاشتباك في الأستوديوهات ووسط الكاميرات.
وفي المقابل انفعال المعايطة من صنف يمكن الاستغناء عنه وحقق معدلات قياسية في «التأثير العكسي»، لأن الأرقام في كل بساطة «تفحم ولا تكذب»، دون أن يعني ذلك بأن شخصنة الهجوم على المعايطة، بعد اجتهاده منتجة أو مفيدة في التشخيص الوطني.
بعد حكاية «فشرت إنت وإيران» الفيديو الأكثر رواجا حتى بين الأردنيين ذلك الذي يظهر فيه صوت عراقي يشرح ما حصل مع السائق في إحدى محطات وقود طهران.
صاحب الفيديو يبلغ الجمهور أنه زود سيارته للتو في طهران بـ»50 ليترا من البنزين»، خلال الحرب وبكلفة «دولار واحد».
قال الرجل: «أكو بلد في العالم اليوم يخلي 50 ليترا بدولار واحد»؟
أحد خبثاء عمان طلب علنا بإرسال ذلك الفيديو إلى «معالي الأخ سميح».

«سحب الجنسيات» مجددا

الأهم في المقابل ما دمنا في «المحليات الأردنية» هو ذلك «العجز  الفاضح» لشاشات حكومية، مثل «التلفزيون الرسمي» وقناة «المملكة» في توثيق إضافة مهنية أو سياسية على سجلات «التنابز الوطني»، التي ظهرت بعد حادثة «فتاة تسيء للعلم الأردني».
الفتاة رصدت في فيديو تنتقد المبالغة في رفع أعلام ضخمة وصنفتها محاكم «فيسبوك» فورا، متهمة بالإساءة لرمزية العلم.
حسنا تلك تهمة موجودة في قانوني العقوبات والجرائم الإلكترونية، والمحاكمة حق للسلطات وللمواطنين.
ما أشارت له قناة «المملكة» في السياق هو فقط جزئية «حظر النشر في قضية الإساءة للعلم»، وما تحدث عنه تلفزيون الحكومة تحويل الفتاة بمذكرة حاكم إداري إلى التحقيق الإلكتروني، وفي خجل شديد حاولت شاشة «رؤيا» المتهمة بدورها ملامسة النقاش.
دون ذلك، لم نشهد أي مساحة بث تلفزيونية محلية تستعيد كلاسيكيات، مثل «دولة القانون والمؤسسات» لإبلاغ الجميع بأن ملف الفتاة إياها بين يدي سلطة القضاء، وأن الدفاع عن «رمزية علم البلاد» لا يعني في أي حال «التورط» بجريمة أبشع هي «الإساءة للوحدة الوطنية».
الفارق بين المخالفتين يحتاج لصفنة وطنية.
الإعلام الرسمي يضخ في واقعة «المساس بعلم البلاد»، فيما لا تتحرك مؤسسات الحكومة وأذرعها  لإبلاغ «تيار التحريض التأزيمي» بأن الدعوة لسحب جنسية مخالفي أي قانون بحد ذاتها جريمة أسوأ، بالرغم من حماس بعض الموتورين للسيناريو الكويتي، في سحب  الجنسيات، وببساطة وأحيانا بدون أي أسباب وجيهة.
كل دعاة الفتنة والفرقة من مثقفي «المنصات» معجبون مرحليا بموجة سحب الجنسيات في الكويت، ويطالبون بتقليدها، مع أن شاشة «الحقيقة الدولية» المحلية أبرزت تضامن المؤسسة الأردنية الكبير مع الكويت المستهدفة «إرهابيا».
محاكمة من رحب بصواريخ إيران أو جرح مشاعر الأردنيين تجاه علم بلادهم سلوك مقبول ويصفق له الجميع.
لكن الاستمرار في الصمت على دعوات كل من هب ودب لسحب الجنسية عند أول منعطف أقرب إلى تواطؤ بيروقراطي غير حميد، ومن الوطني حقا أن يدرس ويتم تمحيصه.
للتذكير مجددا: الجنسية ليست فنجان شاي يمكن صبه ورده إلى الإبريق. على التلفزيون الرسمي أن يقول ذلك لعموم الأردنيين وبالبنط العريض.
بقاء دعوات سحب الجنسية بدون «تصرف» نقيصة في تقاليد «النشامى» والدولة يتوجب أن تظهر جديتها في مواجهة هذا التمزيق المبرمج، حيث تستفيد منه فقط الوحدة 2800 الإسرائيلية.

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من مدونة الكاتب بسام البدارين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading