الأردن في «كابوس» الضفة الغربية
السيناريوهات المقلقة التي تزحف بوقار إلى أوصال المجتمع الأردني سرعان ما ستتحول من تساؤلات نخبوية أو ساذجة إلى عبء ثقيل على الدولة

السيناريوهات المقلقة التي تزحف بوقار إلى أوصال المجتمع الأردني بجميع مكوناته وشرائحه متقمصة هواجس ملف الضفة الغربية سرعان ما ستتحول من تساؤلات نخبوية أو ساذجة إلى عبء ثقيل على الدولة والمؤسسات إذا لم يبرز استدراك سريع ومهم وبتقنية كي الوعي الوطني العام لاحتواء القلق.
مطلوب وفورا حشد الناس في الحد الأدنى أمام سردية وطنية واحدة لا تكرر الكلاشيهات القديمة، ولا تنفخ في أوردة المجتمع مجرد أوهام مرتبطة بعملية سلام تحولت عظامها إلى مكاحل فعليا في المقابر.
الصمت الحكومي على تخوفات المجتمع وهواجسه في الملف الفلسطيني مريب إلى حد ما. لا بل لم يعد مفيدا لأن كلفته الأمنية لاحقا والاجتماعية والسياسية قد تزيد جراء أولا: حوار الطرشان الذي غرق به المتداخلون.
وثانيا: الغياب غير المبرر للإجابة الرسمية الفاصلة على السؤال التالي: ما الذي ينبغي أو يتوجب فعله؟
تصمت السلطات ويترنح المجتمع وتهتز النخب وهي تقترح وتفتي وكأن عملية مزاودة غير منضبطة يسمح بها دون مبرر على الثابت الرسمي المعلن في القضية الفلسطينية وتوابعها.
الهواجس لم تعد تطفو بل تتسلل إلى أوصال اجتماعية والنقاشات تتطلب مصارحة ومكاشفة وجرأة في الطرح.
إذا تركت هواجس ملف الضفة الغربية على واقعها الحالي الذي يسمح بازدحام الفتاوى والاجتهادات خارج وفوق وتحت النص والسرب سرعان ما سيرتكب الخطأ الأكبر الذي سيسمح لتلك الهواجس بالتحول إلى كوابيس تلتهم المزيد من رصيد الدولة عند الناس وتعزز عكس اليقين، الأمر الذي إن حصل لا سمح الله لا يخدم لا الشعب الفلسطيني ولا شقيقه الأردني وسيدفع باتجاه تعقيدات يمكن الاستغناء عنها.
بصراحة هذا الملف يحتاج إلى مقاربة مختلفة وسريعة وقوية. وبصراحة أكثر ينتظر الناس بشغف جواب الدولة مادامت الحكومة في الصمت والسلبية على أسئلة محددة حول استراتيجيتها في قواعد الاشتباك مع ما ينفذه ميدانيا على الأرض الآن اليمين الإسرائيلي المتطرف والعدو بعد سقوط الرهانات ليس على المعاهدات وعملية السلام فقط، ولكن على دور ووظيفة الولايات المتحدة في الملف والأهم على ما تبقى من فتات المنظومة العميقة في دولة الكيان والتي كانت في الماضي صديقة أو شريكة لكنها لم تعد في موقع الكفاءة بعدما تسلل إليها رواد النظرية الصهيونية الدينية المتشددون
وهم يخترقون مواقع القرارين الأمني والعسكري.
السيناريوهات المقلقة التي تزحف بوقار إلى أوصال المجتمع الأردني سرعان ما ستتحول من تساؤلات نخبوية أو ساذجة إلى عبء ثقيل على الدولة
مطلوب وبإلحاح من مراكز القرار الأردني توضيح خطتها في الاشتباك مع العدو إذا ما قرر تنفيذ التهجير الجماعي للسكان ولأهل الضفة الغربية باتجاه الشرق، سواء حصل ذلك بنعومة أو بالقوة الحصرية العسكرية.
مطلوب أيضا الجواب على السؤال التالي: ما هي خطة الدولة الأردنية لمواجهة أكثر من 100 ألف مستوطن مسلح يتم تحشيدهم الآن في منطقة الأغوار بالقرب من خاصرة حدود المملكة؟
لا يسقط السؤال الدائم أيضا من المشهد: ما هي الوسائل العملياتية والأمنية والسياسية وليس القانونية والإعلامية فقط التي ستواجه حكومة الأردن بواسطتها أي قرار إسرائيلي متوقع ووشيك بطرد حملة البطاقة الصفراء أي الجنسية الأردنية من أبناء الضفة الغربية؟
سؤال ثالث محرج لكنه مطروح: الحدود سلاح مزدوج … ما هي الخطة لاستعمال هذا السلاح وبكفاءة حتى لا يحصل المحظور ويتمكن يمين إسرائيل من تحويل أزمة الضفة الغربية إلى إنسانية فقط تلقى في أحضان الأردن؟
تلك أسئلة حساسة طبعا ويمكن التقاط الإجابة عليها من خطاب الثوابت، لكن ضمان منع الهواجس من التحول لكوابيس يتطلب ما هو أكثر وأكبر وأعمق من طرح إجابات عمومية، حيث لا بد هنا من خطة وطنية للوقاية تكون توافقية ومعلنة وخالية من المجازفة بالأمن والاستقرار وقابلة للتطبيق حتى يتم تجنيد الشعبين حولها.
دون ذلك كلام في الهوامش وترف نخبوي سياسي لا يسمن ولا يغني من جوع.
ودون ذلك إخفاق مباشر للحكومة في الاستثمار بالورقة الشعبية واسترسال في الخصومات التي يقترحها الأمريكيون على الشعب الأردني هنا وهناك واستسلام لواقع لا تستخدم فيه إلا الأدوات والإجراءات الناعمة فيما يبدل الإسرائيلي ميدانيا في الوقائع ويستقدم أسلحته الثقيلة الخشنة.
نسمع كلاما عجيبا فيه قدر من تهميش قدرات الذات الوطنية عندما يتعلق الأمر بهواجس الضفة الغربية.
من يقترح المواجهة بسحب جنسيات الناس يتحدث خارج السياق لأن ذلك يخدم مخططات العدو ولا يواجهها.
ومن يقترح تجنب التعبئة الاجتماعية يهرف بما لا يعرف.
ومن يوصي بالقبضة الأمنية المتشددة فقط ينتج ارتيابا في مساحة وطنية خالصة نقية لا مجال فيها إلا لتوحيد الأردنيين ووقوفهم خلف مؤسساتهم ودولتهم.
المشهد في الضفة الغربية يحتاج للعقلاء. ومادام الجميع يجلس على حافة الهواجس الآن ويطرح تساؤلات مشروعة لابد من توفير نص وطني واضح خارج الالتباس يحول دون الانتقال السريع من الهواجس إلى الكوابيس. تحدثوا للناس.
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
