الأردن: هواجس «النخبة»
كيف نتوقع نتائج مختلفة وإيجابية إذا كنا نواجه التحديات المحرجة بنفس الأساليب والتقنيات القديمة؟

لأسباب يمكن فهم بعضها واستنتاج بعضها الآخر، وفي ظل ظرف إقليمي مغرق في الحساسية والاحتمالات، تكدست وفي شهر واحد على الأقل سلسلة من وجهات النظر المثيرة لمسؤولين سابقين في إدارة الدولة الأردنية، تقلد بعضهم مواقع حساسة وأساسية وفي سياق أمني استراتيجي أحيانا.
هذا التراكم لوجهات نظر ليست معترضة ولكن قلقة على الدولة والنظام والحالة الوطنية لا بد له أن يؤدي إلى طريق ما بدلا من ترك الرأي العام المهووس في انشغالات المعيشة والوضع الاقتصادي نهبا للأفكار والمقترحات السلبية أو العدمية.
بعض الآراء المثيرة للغاية أو المهمة والتي أصبح نقاشها والتداول حولها احتياجا وطنيا ملحا مع تسجيل ملاحظة نظامية تقول بوضوح: الذين استرسلوا في تحذيرات تتطلب قرع الإنذار وطنيا، من خيرة أبناء الحالة الرسمية ومن طبقة الخدمة العامة ومعسكر الولاء البيروقراطي.
هؤلاء لا مجال للمزاودة عليهم خلافا لأنهم يمثلون الرأي الآخر داخل المؤسسة، ولا يمكن حسابهم إلا على الانتماء ولا علاقة لهم لا بالمعارضة الداخلية ولا بالميكروفونات الخارجية.
لنتحدث بصراحة قليلا هنا. سمعنا وزيرا سابقا للداخلية وجنرالا أمنيا بارزا يتحدث عن مخاطر سقوط الدول ويحذر بشدة وبعبارات عمومية من مرض وصل إلى النخاع.
لا أحد كلف خاطره مناقشة هذا الرأي المهم مع أن صاحبه لاحقا استدرك بصيغة إخراج القول عن سياقه، وأعلن انه لا يقصد الحالة الأردنية.
وزير آخر للداخلية سابقا نشر مقالين في صحيفة الحكومة الأولى يتحدث فيه عن الهواجس المقلقة في حال انهيار الوضع القائم في الضفة الغربية.
وزير ثالث وعضو في مجلس الأعيان هاجم بوضوح ما يسمى بالميول الليبرالية وحذر من ضرورة تأسيس الفارق بالمساحات ما بين جذب الاستثمارات للبلاد أو جعل الأردن ذاته هو الاستثمار.
رئيس مجلس نواب سابق حذر علنا أيضا من تداعيات قانون الملكية العقارية الجديد واتهمه بالاعتداء على الحقوق الدستورية للمواطنين فيما الحزب الذي أخذ على عاتقه تمثيل رؤية برامجية مستحدثة ومتطورة باسم التيار المحافظ يتحدث علنا عن شغف الشعب بانتظار «رد قوانين» أقرتها الحكومة.
جنرال متقاعد برتبة فريق كتب محذرا من «النوم» فيما الخطر «مستيقظ»، وأشار بوضوح إلى أن أحدا في الدولة لم يتحدث معه بشأن تحذيرات سابقة علنية له بعنوان «مخاطر ممارسات العدو الإسرائيلي في الضفة الغربية».
يجمع خبراء وساسة كبار يوميا على ضرورة اتخاذ إجراءات احترازية تغطي مساحة نقص الكفاية بالاحترازات في ظل الأسئلة الحرجة التي أقحمها اللاعبون الإقليميون والدوليون الكبار في عنق زجاجة الأردني.
الأمريكيون والإيرانيون والأتراك والإسرائيليون لديهم طموحات ومشاريع والمزاج العام الأردني يستفسر «ما هو مشروعنا؟» ثم يقترح بأن ما يقوله مسؤولون سابقون «مبرمج» وداخل السرب وليس خارجه.
كيف نتوقع نتائج مختلفة وإيجابية إذا كنا نواجه التحديات المحرجة بنفس الأساليب والتقنيات القديمة؟
نحن عالقون بدون مشروع سياسي وطني طويل الأمد يتجاوز ذهنية القطعة والتقسيط وقواعد الاشتباك القائمة على رد الفعل قصير الأمد.
واضح تماما أن المرحلة صعبة وحساسة ودقيقة.
الأوضح السؤال الوطني العمومي: كيف نتوقع نتائج مختلفة وإيجابية إذا كنا نواجه التحديات المحرجة بالأساليب والتقنيات القديمة نفسها؟
من يقابل الساسة والخبراء ورموز الشأن العام في المشهد الأردني يسمع تلك الأسئلة الحائرة ويصغي لعبارات مفعمة بالحذر والتأويلات.
حالة اختناق نخبوية واضحة حيث تترك الأدوات بدون مراجعات ومشاورات وتجتهد المؤسسات والأذرع بعيدا عن نص برنامج وطني موحد ومتفق عليه مما أفسح المجال أمام خطابات ومداخلات واجتهادات متزاحمة لم يألفها عقل الأردنيين في الماضي وحصرا من جهة شريحة المسؤولين السابقين.
يرافق الاختناق النخبوي صمت مطبق لكبار الساسة وأعضاء نادي رؤساء الحكومات السابقين الذين لا يزالون على قيد الحياة.
ثمة ظاهرة غريبة في المجتمع السياسي: من ينبغي عليهم التحدث للناس لا يتحدثون، ومن يتوجب عليهم الصمت والانتظار والترقب يطلقون هجمات في التحليل والقراءة والتشخيص بين الحين والآخر لا أحد يعلم كيف يمكن تصنيفها وعلى أي أساس.
لا توجد حوارات حقيقية بالمعنى الفعلي لا مع السياسيين ولا مع الخبراء ولا حتى مع مفاتيح العمل الاجتماعي.
لم تنظم حوارات نشطة قبل إقرار تشريعات خشنة ومهمة، والمختنقون من أصحاب الألقاب السابقة يجتهدون بين الحين والآخر فيما يغيب النص الوطني المبرمج عن المسرح الإعلامي ويترك لأمزجة المواطنين التكهن والتفسير.
صعب جدا الإيمان بأن الطريقة الحالية في إدارة الأمور من جهة المؤسسات البيروقراطية والتنفيذية يمكنها أن تؤدي حقا إلى نتائج إيجابية في الاشتباك مع التحديات المتفاعلة بحدة على المستوى الإقليمي حيث لم يعد ثمة يقين. وكل السيناريوهات والاحتمالات واردة.
ما نفهمه في الخلاصة من التصريحات الملتبسة التي تصدر عن مسؤولين كبار سابقا وحاليين ما يلي: الحاجة ملحة لتشخيص مصلحة الدولة وانتقاء آلية ما لتحديد مفاصل ذلك التشخيص مادامت وثائق التحديث السياسي قد قصف عمرها فجأة.
