الأردن ودلالات الأرقام: أكثر من 40 في المئة من الكادر الإخواني مع العزوف عن مشروع «حزب الأمة»
قاعدة لا يستهان بها من أبناء الحركة الإسلامية والتيار لا ترغب في البقاء ضمن الدائرة الضيقة التي حشر فيها أبناء الحركة تحت عنوان حزب سياسي مرخص يلتزم بالحاكمية القانونية.

عمان ـ «القدس العربي»: تقول بعض الأرقام ما لا تقوله المشاهد العامة في جزئية ملف التحول عند التيار الإسلامي إلى تجربة ومشروع «حزب الأمة» الجديد.
الجدل انحصر تماما فيما يتعلق بالأزمة الحكومية مع التيار الإسلامي بعد المؤتمر العام الأخير لحزب جبهة العمل الإسلامي سابقا وحزب الأمة لاحقا فيما ساهمت مذكرة الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات التي وافقت على تغيير الاسم وتعديل النظام الداخلي في الحد من نمو الجدل وتعاظمه والتقليل من مساحة الضجيج.
لاحقا تم الإفراج عن نحو 12 ناشطا وقياديا ينتمون للحركة الإسلامية بكفالة خلال عطلة العيد. تلك اعتبرت خطوة انفتاحية من جهة السلطات على «الوضع الجديد».
الحيثيات الرقمية المعلنة أو غير المعلنة في ملف «التحول إلى حزب الأمة» تقول ما يقوله التحول نفسه عمليا. المؤتمر العام الذي قرر التحول بدأ بحضور 592 كادرا من أعضاء المؤتمر الذين يبلغ عددهم نحو 1250 عضوا. لكن عند التصويت حصرا عند تغيير الاسم كان عدد المصوتين يقترب من 650 إلى 670 عضوا من هيئة المؤتمر وليس الهيئة العامة للحزب التي سجل فيها أعضاء بنسبة تبلغ 2500 عضو قرروا التسجيل عبر الهيئة الانتخابية.
هذه الأرقام طبعا لا تمثل وقائع الحال في الكادر وعدد الأعضاء المسجلين في الحزب الأبرز والأكبر في البلاد. نحو 1500 عضو في الحركة الإسلامية امتنعوا بعد قرار حظر جمعية الإخوان المسلمين في ظاهرة لا يتحدث عنها الكثيرون عن تدوين عضويتهم رسميا عبر الوثائق التي تطلبها لهذا الشأن الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات بما في ذلك إيداع وثيقة «عدم محكومية نافذة» وتوقيع تعهدات بالخضوع للحاكمية القانونية.
ضمنا يعني ذلك أن قرار تعديل النظام الأساسي والاستجابة لما تريده السلطات في ملف الحاكمية القانونية ثم قرار تغيير الاسم تصدرا وأصبحا واقعيين بموجب نسبة تصويت من المؤتمر العام بلغت 55 في المئة. تلك نسبة طبعا تمثل النخبة التي أنتجت القرار من الذين يحق لهم حضور المؤتمر العام والتصويت.
مهم في المقابل الانتباه لوجود نسبة قد تصل إلى 45 في المئة من أعضاء المؤتمر وليس أعضاء الحزب فقط مارست العزوف عمليا عن التصويت لقرار تعديل النظام الأساسي والإجراء المتمثل بتغيير الاسم من جبهة العمل إلى حزب الأمة.
هذا العدد يؤشر على عدم وجود توافق أفقي جماعي داخل كوادر الحزب وكوادر المؤتمر العام على الخطوة التحولية. وما تقوله الأرقام عموما هو: القواعد العامة التي صدمها قرار حل جمعية الإخوان المسلمين في الواقع لا تزال تشعر بالغبن وليست بصدد المشاركة الفعالة والنشطة في احتفالية التحول إلى حزب سياسي يخلو تماما من أدبيات التفكير الإخواني.
المعنى بالخلاصة أن نسبة لا يستهان بها من أنصار الحركة الإسلامية قد تزيد عن 40 في المئة منهم والحديث هنا عن الأنصار النشطاء في الواقع الاجتماعي والانتخابي والسياسي لا تبدو متحمسة للعمل ضمن إطار الحزب في شكله وهويته الجديدة.
قد لا يؤشر ذلك على مخاطر أو كمائن. لكنه يعكس الوقائع والبيانات الرقمية التي تظهر بأن حصة لا يستهان بها من أنصار التيار الإسلامي لا تزال خارج نطاق حالة التحول في هوية الحزب وحالة الابتعاد عن المدرسة الإخوانية التي لا يمكن هزيمتها ولا إجهاضها بكل بساطة بعد أكثر من 70 عاما من التواجد والحضور والتكون.
المؤشر الرقمي هنا يعني ضمنا وعمليا بالنسبة للخبراء بأن قاعدة لا يستهان بها من أبناء الحركة الإسلامية والتيار لا تزال في حالة صدمة ورفض أو تمنع ولا ترغب بالحد الأدنى في البقاء ضمن الدائرة أو الزاوية الضيقة التي حشر فيها أبناء الحركة الإسلامية تحت عنوان حزب سياسي مسجل ومعتمد ومرخص يلتزم بالحاكمية القانونية.
تلك جزئية رقمية في العزوف لها دلالاتها وقد لا تعني مؤشرا خطرا في الواقع، ولكنها قد تعني أيضا بأن سلسلة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة ابتداء من حظر جمعية الإخوان قد لا تحظى بالموافقة الأفقية العامة بالنسبة للكوادر والجماعة وإن كان الموقف قد يتطور لاحقا في الواقعية القانونية والحزبية.
نسبة «ليست قليلة» من العازفين عن الالتحاق بمسار التحول الحزبي هنا لا يجدون أنفسهم معنيين بعد. الإجراءات ضد حل الجمعية ولاحقا تعديل النظام الأساسي للحزب وتغيير اسمه ليست محطة إجماع فقط، ولكنها تؤشر على حالة عزوف وابتعاد بالنسبة للجماعة الأم أو لعدد لا يستهان به من الكوادر. الجماعة رغم حظرها يزيد عمرها في الاشتباك الاجتماعي والسياسي الأردني عن 100 عام ما يؤشر على ترنح ما على مستوى القواعد لا يمكن إسقاطه دوما من الحسابات ولا تجاهله.
وفيما تقول الأرقام الكثير من الأشياء المسكوت عنها، هنا لا بد من الإشارة إلى أن إخفاق الصف الرسمي بهضم حزب الأمة بنسخته المعدلة وتمكينه سيعني زيادة سريعة في نسبة الـ40 في المئة وفي منسوب «العزوف». ونجاح تجربة التحول واستقرارها بتفاهمات مع السلطات سيقلص عدد المشاركين بالعزوف.
